التجديد يأتي بالاتصال لا بالانعزال ؛ لأن في الاتصال تقدُّما ورقيا وحضارة ، وبالسفر والتعب والانتقال ، وليس بالإقامة والاستنامة والرضوخ لما تركه الأوَّلون من كتبٍ صفراء ، ليست بالمُتُون ولكنها حواشٍ وهوامش وشروح وتفاسير عرجاء في معظمها .
وإذا كان الله في عُلاه قد أخذ عن الفرس – مثالا – في قرآنه ، فلمَ لا نأخذ عن الأمم الأخرى ما هو حسن وجيد ، ويتواءم مع ديننا وتقاليدنا وأعرافنا وثقافتنا ولغتنا وأدبنا ، بدلا عن أن ننعت من ليس منَّا بالكفر والفسُوق والفُجور .
ولا بد أن نبدِّل الجهلَ بالعِلم ، و لا نُبْدِّل العلم بالجهل .
ومن يبتغي التجديد عليه أن يكون سلسًا ، سائسًا ، سهلا ، مرنًا ، مطواعًا ، مستعدًّا ، سمحًا ، مؤمنًا ، لا خشنًا ، جهمًا ، جهُولا ، عابسًا ، يائسًا ، بائسًا ، مسُوسًا ، سادرًا في غِيِّه وعنجهيته مُتصوِّرًا نفسه إمام الأئمة ، وفقيه الفقهاء ، وسلطان الشيوخ .
علينا أن نخرج من البداوة إلى الحضارة ، ومن القبيلة إلى الدولة ،
لقد كان القوم في القرن الثاني من الهجرة أكثر يُسرًا ، وسلاسةً ، وحرصًا على التطوُّر ، واستجابةً ، وإقدامًا في التغيير والجِدَّة وتعدُّد الأساليب عمَّا نحن عليه الآن في حياتنا الدينية والأدبية ، التي يجد المرء مشقةً وعناءً وتعبًا في زحزحة شيء ، وكان ذلك في زمن الخلافة العباسية ، عندما انتقل مركز الحكم إلى العراق بعد زوال دولة الخلافة الأموية (41 – 132 هـجرية / 662 – 750 ميلادية )
نحن مُتعثِّرون وبطيئون ، ومُتكلِّفون ، ومُتصنِّعون ، ومن كان له شرف المحاولة قبل نحو مئة عام أو يزيد ، كانت تهمته الكُفر حتى ولو كان أزهريًّا شامخًا كمحمد عبده أو طه حُسين أو علي عبد الرازق أو عبد المتعال الصعيدي ، أو سواهم ممن نالهم الإقصاء والنفي والتنكيل والهجرة من الوطن والتكفير ، ويُعبِّر طه حسين عن حالٍ كهذه قائلا : ( … والذين يحاولون أن يكونوا مُجدِّدين صريحين يجدُون المشقَّة كُل المشقة فيما يحاولون من هذا التجديد ) .
من الصعب بل من المستحيل أن يعيش المرءُ على ما ورثه من آبائه ، من دُون أن تكون له يدٌ أو كلمةٌ أو موقفٌ أو إضافةٌ ، مكتفيًا بما تُرِكَ له من آثار كثيرُها مشكوكٌ في صحته ، وكثيرُها موضوعٌ ومؤلَّفٌ لأهداف تخصُّ الحكم السياسي قبل أن تخصَّ الدين ، بمعنى أنها تُغلِّب مذهبًا على آخر ، وفئة على أخرى .
فمن العيب أن يعيش المسلم غريبًا في عصره ، تحت سطوة سيل الفتاوى ، والأحكام الشاذة والغريبة ، ولديه كِتابٌ عظيمٌ اسمه ( القرآن ) ، لو عمل بما فيه لما احتاج إلى أقوال المُتاجرين بالدين ، واستطاع أن يدفع عن دينه الشكوك ، التي صارت مُنتشرةً بفضل جماعات الإسلام السياسي ، التي اتخذت من الدسِّ والخديعة ، والنهب والسرقة والتكفير والاغتيال والقتل سياسةً لها ، مُدَّعية أنها تُطبِّق الإسلام الحق .
لم يعُد ينفعنا بشرٌ ضِعافٌ محدودو الثقافة ، صاروا – بفضل الفوضى والجهل وسطوة السلطة الدينية – يقودون المجتمع ، وأصبحوا في طليعة الصفوف المجتمعية والدينية ، ولهم كلمة عليا ، ويد أعلى ، حتى صار الجهل حيوانًا أسطوريًّا شرسًا يُهدِّد الجميع .

مشروع قانون المحاماة بين خطاب الإصلاح وأسئلة التنزيل.. هل ينجح النص الجديد في ترميم أعطاب المهنة؟
تلوث بيئي واحتلال للملك العمومي واختلالات مرورية.. ساكنة زهور تاركة تطالب بتدخل عاجل
بعد فراره من مراكش.. الأمن يوقف مشتبها فيه في جريمة قتل بسطات