
ـ قراءة في نصٍّ للدكتور جواد علي ـ
بينما كنت أقرأ في المدونات العربية والغربية التي تناولت تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام، توقفت عند مقال أكاديمي رصين للمؤرخ العراقي الكبير الدكتور جواد علي، المنشور في مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد الحادي والثلاثون، العدد الثالث (1980). وكثيرًا ما يحدث في القراءة الأرشيفية العميقة، تقودنا بعض الأسطر القليلة إلى استعادة طبقات كاملة من الذاكرة الثقافية التي غالبًا ما تُهمَّش أو تُغيَّب في فضاء المعرفة المعاصر، سواء بسبب انحيازات البحث الحديث أو بسبب ما تصنعه الخوارزميات من انتقاء وانتزاع للسياقات.
في ذلك المقال، يناقش جواد علي نصًا عربيًا قديمًا يعود إلى ما قبل الإسلام، يصف حادثة جفاف أصابت مدينة مأرب، حيث انحبس المطر ثلاثة مواسم متتالية. ومن خلال تحليل ذلك النص، يلفت المؤرخ إلى ظاهرة الاستسقاء بوصفها طقسًا اجتماعيًا وروحيًا عرفته المجتمعات العربية قبل الإسلام. فالدعاء لرفع القحط واستجلاب المطر لم يكن مجرد ممارسة دينية لاحقة، بل تقليد ثقافي أقدم، تجذر في البنية الرمزية للمجتمع العربي القديم.
ومن بين الألفاظ التي يتوقف عندها جواد علي كلمة “رقتهمو”، بمعنى “رقيتهم”. والرقية – كما يوضح – كانت معروفة في الجزيرة العربية بوصفها ممارسة علاجية وروحية. ويذكر أهل الأخبار أن لفظة الرقية ترتبط بمعنى التعويذ؛ فيقال: “رقى الراقي رقيةً ورُقيًّا” إذا عوّذ المريض ونفث في تعويذته. وكانت هذه الممارسة تُستعمل لدرء الآفات والأمراض، كالحمّى والصرع، بل تشير بعض الروايات إلى أن بعض العرب كانوا يلتمسون الرقية عند اليهود والنصارى أيضًا، مما يدل على طابعها العابر للحدود الدينية والثقافية.

ويضيف جواد علي وصفًا دقيقًا لطقسٍ كان يقوم به الكاهن في تلك المجتمعات؛ إذ كان ينفث على خيوط يعقدها، ويتلو عليها التعويذات، ثم يحل تلك العقد وهو يخاطب الآلهة طالبًا الاستجابة. ويكشف هذا الوصف عن بنية رمزية معقدة لطقوس الشفاء في المجتمعات القديمة، حيث تتداخل اللغة والاعتقاد والفعل الجسدي في ممارسة واحدة تُعيد التوازن بين الإنسان والعالم المحيط به.
غير أن هذه الإشارة النصية لم تبقَ بالنسبة لي مجرد معلومة تاريخية. فقد استدعت إلى ذاكرتي فجأةً صورةً من طفولتي، صورةً تعود إلى بيتنا في كرادة مريم في بغداد. حين كنا نصاب بالحمّى أو بصداع شديد، كان والدي يمارس طقسًا يشبه إلى حد بعيد ما يصفه النص القديم.
كان يأخذ قطعة قماش، يلفّها حول رأسي، وبجانبه كأس ماء. ثم يقرأ آياتٍ من القرآن الكريم: الفاتحة والمعوذتين، ويتلو الدعاء المعروف:
“بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك.”
بعد ذلك كان ينفث في الماء، ويبلّل به الرباط القماشي، ثم يعقده على الرأس. ولم يكن الأمر – في وعينا الطفولي – مجرد علاج جسدي، بل لحظة سكون غامرة، إحساس بالطمأنينة، كأن الكلمات نفسها تحمل طاقة خفية تعيد التوازن إلى الجسد والروح معًا.
ومع مرور الوقت، تحولت تلك الممارسة إلى تقليد اجتماعي في محيطنا. فقد كانت نساء الحيّ، حين يمرض أطفالهن، يأتين بهم إلى والدي ليقرأ عليهم الرقية بالطريقة ذاتها. وهنا يتجلى البعد الأنثروبولوجي لهذه الذاكرة: فالممارسة التي وثقها نص قديم سابق للإسلام بقرون، استمرت في أشكال مختلفة داخل المجتمع الإسلامي لاحقًا، دون انقطاع يُذكر.
إن هذا الاستمرار لا يمكن فهمه فقط بوصفه بقاءً لطقس ديني، بل باعتباره آلية ثقافية عميقة لنقل المعرفة الشعبية عبر الأجيال. فالمجتمعات لا تنقل نصوصها المكتوبة فقط، بل تنقل أيضًا طقوسها اليومية، وإيماءاتها الصغيرة، ولغتها الجسدية في مواجهة الألم والمرض والخوف.
ومن منظور الأنثروبولوجيا الثقافية، تكشف هذه الظاهرة عن حقيقة لافتة: أن كثيرًا من الممارسات التي نراها اليوم مرتبطة بهويات دينية محددة، كانت في أصلها موروثًا إنسانيًا مشتركًا تشكل عبر قرون من التعايش والتبادل الثقافي في الشرق الأدنى.
فالرقية، مثلها مثل طقوس الاستسقاء أو التعويذات العلاجية، كانت جزءًا من اقتصاد رمزي للشفاء تتقاسمه المجتمعات القديمة، حيث يلتقي الدين بالطب الشعبي، واللغة بالاعتقاد، والجسد بالذاكرة الجماعية.

لهذا، حين أقرأ تلك السطور في مقال جواد علي، لا أراها مجرد مادة تاريخية. إنها نافذة صغيرة تطل على تاريخ طويل من التجارب الإنسانية المشتركة، حيث تتوارث الشعوب عاداتها دون وعي كامل بأصولها، وكأنها جزء من فطرة ثقافية عميقة تتجاوز الحدود العقائدية والقومية.
وربما هنا تكمن القيمة الحقيقية لمثل هذه النصوص الأرشيفية: أنها تذكّرنا بأن تاريخنا الثقافي ليس سلسلة من الانقطاعات، بل نسيج متصل من الذاكرة الإنسانية، تتداخل فيه الأزمنة والديانات والتقاليد، وتظل فيه الخبرات اليومية – كلمسة يدٍ على جبين طفل مريض – شاهدةً على استمرارية الإنسان في بحثه الدائم عن الشفاء والمعنى.
المصدر :
جواد علي، المدونات العربية قبل الإسلام، مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد الحادي والثلاثون، العدد الثالث، بغداد، 1980، ص 226–227.
ويُذكر أن الدكتور جواد علي كان أحد أعضاء المجمع العلمي العراقي، ويُعدّ من أبرز المؤرخين الذين درسوا تاريخ العرب قبل الإسلام، وقد أسهمت أعماله، ولا سيما موسوعته الشهيرة المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، في إعادة بناء هذا الحقل المعرفي على أسس علمية نقدية





