احتجاجات تلاميذ الثانوي تهز فرنسا.. آلاف الموقوفين ومئات المؤسسات التعليمية في قلب التعبئة

كش بريس/وكالات ـ

دخلت احتجاجات تلاميذ الثانوي في فرنسا مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما اتسعت رقعة التحركات التي انطلقت في 21 شتنبر الماضي من عدد من مؤسسات منطقة باريس، لتشمل مدناً ومؤسسات تعليمية في مختلف أنحاء البلاد، وسط إغلاق مئات الثانويات وتوقف الدراسة في عدد متزايد من المؤسسات، وانضمام طلبة جامعيين ونقابات تعليمية إلى جانب من التحركات.

وتتركز المطالب المعلنة للمحتجين حول نقص أطر التدريس، والاكتظاظ داخل الأقسام، وتدهور البنية التحتية للمؤسسات التعليمية، وظروف الدراسة، وطول اليوم الدراسي، إضافة إلى الاعتراض على بعض جوانب نظام الولوج إلى التعليم العالي. وتقول منظمات تمثل التلاميذ إن الأزمة تعكس، في نظرها، تراجعاً في الموارد المخصصة للمدرسة العمومية واتساع الفوارق بين المؤسسات والمناطق.

من احتجاجات مدرسية إلى تعبئة وطنية

وبحسب آخر المعطيات الرسمية التي نقلتها وسائل إعلام فرنسية، سجلت وزارة التربية الوطنية، الجمعة 2 أكتوبر، اضطرابات أو تحركات في 735 مؤسسة تعليمية، فيما أغلقت نحو 400 مؤسسة أبوابها في ذلك اليوم. وكانت الوزارة قد تحدثت في وقت سابق عن أكثر من ألف مؤسسة تأثرت بدرجات مختلفة بالاحتجاجات منذ بداية التحرك.

وترافقت الاحتجاجات في عدد من المدن مع عمليات إغلاق مداخل الثانويات وتنظيم تجمعات ومسيرات، قبل أن تتحول بعض التحركات إلى مواجهات مع قوات الأمن، فيما سجلت أعمال تخريب وإحراق في محيط أو داخل بعض المؤسسات، من بينها وقائع شهدتها مدن مثل نانت وستراسبورغ ولوهافر.

اعتقالات وإصابات وتصعيد أمني

وأعلنت وزارة الداخلية الفرنسية توقيف 1747 شخصاً خلال تحركات الجمعة، فيما كانت حصيلة الخميس قد بلغت 1949 موقوفاً، وفق المعطيات التي أوردتها مصادر إعلامية فرنسية. كما تحدثت السلطات عن إصابة 305 من أفراد الشرطة والدرك والإطفاء خلال أحداث الخميس وحده.

وفي المقابل، أثارت طريقة تعامل قوات الأمن مع الاحتجاجات انتقادات واسعة، خصوصاً بعد تسجيل إصابات في صفوف قاصرين، الأمر الذي دفع منظمات حقوقية إلى التحذير من الاستخدام المفرط للقوة، بينما تؤكد السلطات أن التدخلات الأمنية تستهدف أعمال العنف والتخريب وحماية الأشخاص والممتلكات.

وتشير تقارير صحفية إلى أن الحكومة قررت تعزيز الانتشار الأمني عبر الدفع بقوات حفظ النظام والدرك المتنقل إلى عدد من المناطق، بعدما اعتبرت أن الوضع تجاوز في بعض المواقع نطاق الاحتجاجات المدرسية ودخل مرحلة ما وصفته السلطات بـ«أعمال العنف الحضري».

الحكومة تفتح باب الحوار

وأمام اتساع الحركة، عقد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو اجتماعاً للأزمة، فيما استقبل وزير التربية الوطنية إدوار غيفراي، الجمعة، ممثلي المنظمات التلاميذية والطلابية ونقابات وأولياء التلاميذ.

وأعلنت المنظمات التلاميذية، عقب الاجتماع، أن اللقاء لم يسفر، من وجهة نظرها، عن إجراءات عملية كافية، ودعت إلى مواصلة التعبئة وتنظيم تحركات جديدة ابتداء من الثلاثاء 6 أكتوبر. كما أعلنت نقابات، من بينها الكونفدرالية العامة للعمل «CGT» و«Solidaires»، دعمها للتحركات المقبلة.

وفي محاولة لخفض حدة التوتر، أعلنت الحكومة أيضاً التراجع عن إجراء كان وارداً في مشروع ميزانية 2027 ويتعلق بفرض رسوم تسجيل على الطلبة غير المستفيدين من المنح في بعض تكوينات التعليم العالي، بينها أقسام الـBTS والأقسام التحضيرية.

حركة شبابية تتجاوز مطالب المدرسة

وتكشف التطورات الأخيرة أن الاحتجاجات لم تعد محصورة في مطالب مرتبطة بالمدرسة والثانوية، بعدما اتسعت الشعارات لتشمل قضايا أوسع تتعلق بالعدالة الاجتماعية، وتوزيع الموارد العمومية، ومستقبل الشباب، وظروف الانتقال من التعليم إلى الجامعة وسوق العمل.

وتظل طبيعة الحركة نفسها موضع نقاش داخل فرنسا؛ فالحكومة تقول إن مطالب التلاميذ الأصلية مشروعة، لكنها تتهم مجموعات سياسية متطرفة بمحاولة استغلال الاحتجاجات ودفعها نحو العنف، بينما ترفض قوى سياسية يسارية هذه الرواية وتعتبر أن التصعيد الأمني وخطاب التجريم ساهما في توسيع دائرة التوتر.

وبعد أكثر من عشرة أيام على انطلاقها، تبدو الحركة التلاميذية مفتوحة على مرحلة جديدة، خصوصاً مع إعلان ممثلي التلاميذ والطلبة مواصلة الاحتجاجات، واتساع دائرة التضامن معها، مقابل تشدد أمني متزايد. ويجعل ذلك من الأيام المقبلة اختباراً للحكومة الفرنسية في قدرتها على الفصل بين الاحتجاج الاجتماعي المشروع وأعمال العنف والتخريب، وفتح مسار تفاوضي قادر على معالجة المطالب التعليمية التي شكلت الشرارة الأولى للحركة.

↑
Exit mobile version