كش بريس/وكالات ـ
لم تعد الجرافات العسكرية الإسرائيلية التي ترافق اقتحامات مدن الضفة الغربية وبلداتها ومخيماتها تكتفي بتدمير المنازل وتجريف الطرق والبنية التحتية، إذ امتدت عملياتها إلى محو النصب التذكارية التي تحمل أسماء فلسطينيين قتلهم جيش الاحتلال، في تصعيد يستهدف الرموز المرتبطة بالذاكرة الوطنية، ويثير انتقادات فلسطينية ترى فيه محاولة لضرب الوعي الجماعي وتقويض الصلة بين الأجيال وتاريخها النضالي.
وخلال أكتوبر الجاري، طالت عمليات الهدم معالم تذكارية في عدد من المواقع الفلسطينية، من بينها جامعة بيرزيت شمال رام الله، وبلدة يعبد جنوب غربي جنين، وقرية أبو فلاح شمال شرقي رام الله، ومخيم الجلزون شمال المدينة، في سلسلة عمليات استهدفت شواهد مادية تحفظ أسماء الفلسطينيين الذين قتلوا برصاص القوات الإسرائيلية أو قضوا في سجونها.
ففي الخامس من أكتوبر، اقتحمت قوات الاحتلال جامعة بيرزيت وهدمت نصباً تذكارياً داخل حرمها، يحمل أسماء طلبة استشهدوا خلال سنوات من الاعتداءات الإسرائيلية. وبعد يومين، دمرت نصباً في بلدة يعبد يخلّد ذكرى الأسير الفلسطيني ياسر ذياب حمدوني، الذي توفي سنة 2016 في مستشفى «سوروكا»، نتيجة ما وصفه نادي الأسير الفلسطيني بجريمة الإهمال الطبي داخل السجون الإسرائيلية.
وترافقت هذه العمليات مع إزالة صور فلسطينيين قتلوا في اعتداءات إسرائيلية من مواقع مختلفة بمدينة جنين، بعدما كانت قوات الاحتلال قد وجهت، قبل ذلك، إخطارات بهدم لافتات ونصب تذكارية. وفي 12 أكتوبر، هدم الجيش نصباً يضم أسماء شهداء فلسطينيين في قرية أبو فلاح، قبل أن يستهدف، يوم 14 من الشهر نفسه، نصباً مماثلاً في مخيم الجلزون.
وتكتسب هذه العمليات دلالتها من طبيعة المعالم المستهدفة؛ فهي شواهد تقيمها المجتمعات المحلية في الأمكنة التي عاش فيها أصحاب الأسماء أو درسوا أو ارتبطت بها حكاياتهم، لتتحول إلى ذاكرة مشتركة تختزن تجارب الفقد والتضحية والانتماء. ومن ثم، فإن تدميرها يثير تساؤلات تتجاوز محو الحجر والاسم إلى محاولة التحكم في ما يبقى من التاريخ الفلسطيني في المجال العام.
ونقلت قناة «آي 24 نيوز» الإسرائيلية، في السابع من أكتوبر، أن الجيش بدأ عملية واسعة لهدم عشرات المنشآت في الضفة الغربية، من بينها نصب تذكارية أقيمت لتكريم فلسطينيين، مبرراً ذلك بأنها «تحرض على الإرهاب»، وفق توصيفه. كما نقلت عن الجيش تهديده بهدم أي نصب جديد لتكريم من يصفهم بـ«المسلحين»، وملاحقة الأشخاص الذين يتهمهم بتمجيد الإرهاب أو دعمه.
تحريض سياسي يتجاوز العمليات العسكرية
لا يقتصر استهداف الذاكرة الفلسطينية على عمليات الهدم التي تنفذها الآليات العسكرية، بل يمتد إلى ممارسات يتولاها مسؤولون إسرائيليون، في سياق سياسي يغذي استهداف الرموز الوطنية الفلسطينية.
وفي 25 أغسطس الماضي، حطم عضو الكنيست الإسرائيلي تسفي سوكوت نصباً تذكارياً يحمل أسماء فلسطينيين في قرية مادما شمالي الضفة الغربية، مستخدماً مطرقة كبيرة، وفق صور ومقاطع فيديو نشرها أو تداولها مستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي.
ونشر سوكوت، المنتمي إلى حزب «الصهيونية الدينية» اليميني المتطرف، صورة له وهو يحطم النصب، قائلاً إنه ناشد الجيش مراراً إزالة النصب التذكارية التي وصفها بـ«الإرهاب» في أنحاء المنطقة، معرباً عن أمله في تنفيذ ذلك في أقرب وقت.
ويكشف هذا السلوك عن امتداد التحريض السياسي إلى استهداف المعالم التي تحفظ أسماء الفلسطينيين وذكراهم، بما يمنح عمليات الإزالة والهدم غطاءً خطابياً يقوم على تجريم الذاكرة ذاتها، من خلال إخضاع دلالاتها الوطنية لتوصيفات الاحتلال الأمنية والسياسية.
منظمة التحرير: محاولة للنيل من التضحيات وكسر الإرادة
واعتبر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية واصل أبو يوسف أن هدم النصب التذكارية وإزالة الرموز المرتبطة بالشهداء يندرجان ضمن محاولات النيل من تضحيات الفلسطينيين وكسر إرادتهم، وربط هذه الممارسات بالسياسات الإسرائيلية الأوسع في قطاع غزة والضفة الغربية.
وأشار أبو يوسف إلى أن ما يتعرض له الفلسطينيون يشمل التدمير والحصار والقتل في غزة، والاعتداءات في الضفة الغربية، إلى جانب تصاعد اعتداءات المستوطنين. ورأى أن استهداف النصب التذكارية يأتي ضمن سياق من العقاب الجماعي ومحاولات فرض واقع الاحتلال على الأرض الفلسطينية.
وبحسب المسؤول الفلسطيني، فإن استهداف الرموز المرتبطة بالشهداء والأسرى يتجاوز إزالة معالم مادية، ليطال المعاني التي تحملها في الوعي الجمعي، وما تمثله من استحضار للتضحيات والتشبث بالحقوق الوطنية.
وفي موقف يعكس حجم الصدمة التي خلفها استهداف الحرم الجامعي، أكدت جامعة بيرزيت، في بيان صدر يوم الخامس من أكتوبر، أن هدم النصب التذكاري داخل حرمها يمثل استهدافاً مباشراً لذاكرة الجامعة وشهدائها، ووصفته بأنه انتهاك للقانون الدولي واستهداف للعلم والذاكرة الوطنية.
وأوضحت الجامعة أن قوات الاحتلال اقتحمت الحرم برفقة نحو عشر آليات عسكرية وجرافة، قبل أن تهدم النصب الذي يحمل أسماء طلبة قتلوا برصاص القوات الإسرائيلية خلال السنوات الماضية.
حرب على الوعي وتغيير للمشهد الفلسطيني
من جهته، يرى أستاذ التاريخ في جامعة النجاح الوطنية عدنان ملحم أن الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية تتجاوز أهدافها العسكرية المباشرة، لتشمل محاولة التأثير في الوعي الوطني وإضعاف ارتباط السكان بقضيتهم وأرضهم.
وقال ملحم، في حديث لوكالة الأناضول، إن الحرب الدائرة ضد الشعب الفلسطيني تمثل، في أحد أبعادها الأساسية، حرباً على الوعي الفلسطيني والوطني، وعلى تمسك الناس بقضيتهم وأرضهم ووطنهم.
واستغرب حجم القوة العسكرية التي تُسخّر لتدمير نصب تذكارية في المدن والقرى، معتبراً أن استهداف هذه المعالم يكشف عن دلالات تتجاوز قيمتها المادية، بالنظر إلى ما تختزنه من رموز ومعانٍ في الذاكرة الفلسطينية.
وربط الأكاديمي هذه الممارسات بمحاولات تغيير المشهد العام في المدن والبلدات الفلسطينية، مشيراً إلى طلاء لافتات في الشوارع بألوان حمراء أو سوداء، وكتابة أسماء باللغة العبرية عليها، فضلاً عن رفع الأعلام الإسرائيلية في ميادين وشوارع فلسطينية.
واعتبر أن هذه الممارسات، مجتمعة، تعكس سعياً إلى إعادة تشكيل الفضاء العام وفرض رموز الاحتلال داخله، بما قد يترك آثاراً نفسية ورمزية على السكان، ويغذي الشعور بالضغط والإكراه. وأضاف أن أدوات الضغط لا تقف عند حدود استهداف الرموز الوطنية، بل تشمل التخويف والضغط الاقتصادي ومختلف أشكال التضييق.
وأشار ملحم إلى أن استهداف الرموز الوطنية ارتبط تاريخياً بمحاولات فرض السيطرة على الأرض وإعادة صياغة علاقتها بذاكرة السكان، مؤكداً أن هدم النصب لا يضمن محو ما تحمله من ذكريات لدى العائلات والمجتمعات المحلية.
وشدد على أن الضغوط المتواصلة لم تنجح في فصل الفلسطينيين عن أرضهم أو إلغاء وعيهم الوطني، معتبراً أن محاولات محو الرموز المادية لا تنهي حضورها في الذاكرة الجماعية.
وتأتي هذه العمليات في سياق تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية المحتلة، بما يشمل القتل والاعتقال والتهجير وهدم المنازل وتجريف الأراضي والتوسع الاستيطاني، بالتزامن مع الحرب المدمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023.
وفي المحصلة، تضع عمليات هدم النصب التذكارية الذاكرة الفلسطينية في قلب المواجهة على الأرض؛ فالمعركة تمتد من السيطرة على المكان إلى الرموز التي تمنحه معناه التاريخي والوطني، ومن تدمير الشواهد المادية إلى محاولة محو الحكايات التي تحفظها. غير أن الذاكرة التي تتناقلها العائلات وتعيد المجتمعات إنتاجها في رواياتها وتجاربها تظل أوسع من أن تُختزل في نصب حجري، مهما بلغت قوة الجرافات التي تستهدفه.

د عبد الحسين شعبان: في بيت سبينوزا
تنسيقية الموظفين والأجراء ترفع سقف الاحتجاج ضد الرسوم الجامعية وتطالب الحكومة بإنهاء الأزمة
الائتلاف المدني من أجل الجبل يطالب بقانون خاص لإنهاء التهميش وإقرار عدالة مجالية للمناطق الجبلية
مصرع 4 أشخاص وإصابة أكثر من 22 في انقلاب حافلة لنقل المسافرين بمدخل تاكونيت/زاكورة