الذكاء الاصطناعي يلتهم مساحة الهاتف.. حين تتحول النماذج المحلية إلى عبء تخزيني

كش بريس/التحرير ـ

لم تعد ميزات الذكاء الاصطناعي التي ترافق الهواتف الذكية مجرد إضافات تجريبية، فقد أصبحت جزءاً من منظومة الاستخدام اليومي، من معالجة الصور والتعرف على محتوياتها، إلى التلخيص والردود الذكية وتنفيذ عدد من المهام مباشرة على الجهاز. غير أن هذا التطور التقني له كلفة غير مرئية بالنسبة إلى المستخدم: المساحة التي تحتاجها نماذج الذكاء الاصطناعي وملفاتها للعمل محلياً.

وأعادت تجربة نشرها أحد مستخدمي منصة «ريديت» فتح النقاش حول هذه الكلفة، بعدما أفاد بأنه تمكن، عقب تعطيل ميزة Apple Intelligence على هاتف آيفون، من استعادة أكثر من 21 غيغابايت من مساحة التخزين. ورغم أن هذه النتيجة لا تمثل بالضرورة ما سيحصل عليه جميع المستخدمين، فإنها تكشف جانباً غالباً ما يبقى بعيداً عن اهتمام المستهلك عند تفعيل أدوات الذكاء الاصطناعي.

ماذا يحدث داخل الهاتف؟

تعتمد بعض وظائف الذكاء الاصطناعي الحديثة على نماذج يجري تخزينها محلياً داخل الهاتف، بما يسمح بمعالجة عدد من الطلبات دون الحاجة إلى إرسال كل البيانات إلى خوادم خارجية. ويمنح هذا الأسلوب مزايا تتعلق بسرعة الاستجابة والخصوصية وإمكانية تشغيل بعض الوظائف دون اتصال دائم بالإنترنت، لكنه يحتاج في المقابل إلى مساحة تخزين معتبرة.

وتشير المعلومات المتاحة إلى أن Apple Intelligence تحتاج حالياً إلى نحو 7 غيغابايت من التخزين على الجهاز، مع احتمال اختلاف الحجم الفعلي تبعاً لطراز آيفون وإصدار نظام التشغيل والملفات المرتبطة بالوظائف المختلفة.

ولا تتوقف المسألة عند أبل. ففي عالم أندرويد، يمكن للأجهزة التي تعتمد على مكوّن AICore وتستخدم نماذج Gemini Nano أن تحتفظ هي الأخرى بنماذج وملفات ذكاء اصطناعي محلية، وقد يصل حجم بعضها إلى عدة غيغابايت.

لماذا تكبر الفاتورة التخزينية؟

النموذج الذكي ليس الملف الوحيد الذي يشغل مساحة الهاتف. فإلى جانبه توجد بيانات مساعدة وملفات مؤقتة وبيانات مرتبطة بالتحديثات وبعض العمليات التي تنفذها التطبيقات والخدمات الذكية.

ومع استمرار استخدام الهاتف وتحديث مكوناته، يمكن أن تتراكم هذه البيانات، بحيث يصبح حضور الذكاء الاصطناعي في الذاكرة الداخلية أكبر مما يتوقعه المستخدم.

وهنا تظهر مفارقة تقنية لافتة: كلما أصبح الهاتف أكثر ذكاءً، احتاج إلى مساحة أكبر كي يحتفظ بهذا الذكاء داخله.

هل يمكن استعادة 21 غيغابايت؟

تجربة مستخدم «ريديت» لا تعني أن تعطيل Apple Intelligence سيحرر تلقائياً 21 غيغابايت لدى كل مالك لآيفون. فحجم المساحة التي يمكن استعادتها يختلف بحسب الجهاز، وإصدار النظام، والبيانات المخزنة، وطريقة إدارة iOS للملفات والنماذج المحلية.

وقد سجل مستخدمون نتائج متفاوتة؛ إذ تحدث بعضهم عن زيادة فعلية ومستقرة في المساحة المتاحة، بينما لاحظ آخرون تحسناً مؤقتاً قبل أن يعيد النظام ترتيب الملفات أو إعادة إنشاء بعض البيانات.

وفي إحدى التجارب، أشار مستخدم إلى انخفاض فوري يقارب 23 غيغابايت في المساحة التي يشغلها تطبيق الصور بعد تعطيل Apple Intelligence، قبل أن يعود الحجم لاحقاً إلى مستواه السابق. وهو ما يطرح احتمال أن تكون المساحة التي ظهرت مؤقتاً مرتبطة بعمليات إعادة تنظيم البيانات أو حذف ملفات مؤقتة، وليس بالضرورة بإزالة نماذج الذكاء الاصطناعي وحدها.

ويكتسب الأمر أهمية خاصة بالنسبة إلى تطبيق الصور، الذي يمكن أن يستخدم تقنيات المعالجة المحلية لتحليل الصور والتعرف على محتوياتها والأشخاص الظاهرين فيها. وبالتالي، فإن تعطيل بعض الوظائف الذكية قد يزيل بيانات مرتبطة بهذه العمليات، قبل أن يعيد النظام إنشاء جزء منها أو يعيد تنظيمها.

كيف تعطل Apple Intelligence؟

إذا كان الهاتف يعاني من أزمة تخزين، يمكن للمستخدم تجربة تعطيل Apple Intelligence من خلال المسار التالي:

الإعدادات ← ذكاء Apple وSiri ← تعطيل ذكاء Apple.

وتوضح أبل أن إيقاف الميزة يؤدي إلى إزالة النماذج التي جرى تخزينها على الجهاز، الأمر الذي يمكن أن يوفر جزءاً من مساحة التخزين.

لكن من الأفضل النظر إلى هذا الإجراء باعتباره خياراً لتحرير المساحة، وليس وسيلة مضمونة لاستعادة رقم محدد من الغيغابايت.

وماذا يحدث على أندرويد؟

تختلف آلية إدارة نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية في أندرويد بحسب الشركة المصنعة وطراز الهاتف وإصدار النظام.

وفي الأجهزة التي تحتوي على AICore، يمكن للمستخدم التحقق من المساحة التي يشغلها المكوّن من خلال:

الإعدادات ← التطبيقات أو التطبيقات والإشعارات ← AICore ← مساحة التخزين وذاكرة التخزين المؤقت.

وقد تتوفر في بعض الهواتف خيارات لمسح البيانات أو تعطيل المكوّن، غير أن التعامل معها يحتاج إلى قدر من الحذر، لأن حذف بيانات AICore أو تعطيله قد يؤثر في وظائف أخرى تعتمد على المعالجة المحلية للذكاء الاصطناعي.

حين تصبح مساحة التخزين ثمناً للذكاء

تكشف هذه المسألة جانباً أعمق في التحول الذي يشهده الهاتف الذكي. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد خدمة موجودة في «السحابة»، وإنما بدأ يستقر داخل الجهاز نفسه، حاملاً معه نماذجه وبياناته وأدواته.

وهذا التحول يمنح المستخدم سرعة أكبر، واستقلالية أوسع عن الاتصال بالخوادم، وقدراً أعلى من المعالجة المحلية؛ لكنه يفرض في المقابل ثمناً مادياً واضحاً يتمثل في استهلاك جزء من الذاكرة الداخلية.

لذلك، فإن تعطيل مكونات الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون حلاً عملياً لمن يواجه نقصاً حاداً في التخزين، لكنه يعني أيضاً التخلي عن مجموعة من الوظائف التي تعتمد على المعالجة المحلية، مثل بعض أدوات التلخيص والردود الذكية وبعض الخصائص التوليدية التي تعمل على الجهاز.

في النهاية، تبدو المعادلة بسيطة في ظاهرها، لكنها تعكس تحولاً أكبر في فلسفة الهاتف الذكي: كلما اقترب الذكاء من الجهاز، احتاج الجهاز إلى مساحة أكبر لاحتضانه. والسؤال الذي يفرض نفسه مستقبلاً ليس فقط: كم أصبح هاتفنا ذكياً؟ وإنما أيضاً: كم من ذاكرتنا الرقمية نحن مستعدون لأن نمنحها لهذا الذكاء؟

Exit mobile version