‏آخر المستجداتالمجتمع

العدوي: قضايا التأديب المالي أخطاء تدبيرية لا تمس نزاهة الأشخاص

كش بريس/التحرير ـ أكدت زينب العدوي، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، يوم الثلاثاء، أن القضايا المعروضة أمام المحاكم المالية في إطار التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية ترتبط أساساً باختلالات في التدبير ولا تنال من نزاهة الأشخاص المعنيين بها، مشددة على أن التمثلات المغلوطة للفساد لا تقل ضرراً عن الفساد ذاته، ومبرزة أن المحاكم المالية تشكل حلقة وسطى بين غياب المساءلة والمتابعة الجنائية.

وخلال عرضها لحصيلة النشاط القضائي للمحاكم المالية أمام مجلسي البرلمان، أوضحت العدوي أن الحرص على تصحيح أي تأويل غير سليم أو توظيف غير مسؤول لأعمال هذه المحاكم يقتضي التذكير بأن ملفات التأديب المالي تتعلق بأخطاء في التسيير ولا تعني المساس بسمعة أو نزاهة المعنيين، مبرزة أن تضخيم الوقائع أو إسقاط تهمة الفساد دون سند موضوعي يفرز أضراراً لا تقل خطورة عن الفساد الحقيقي، وأن منظومة المحاكم المالية تندرج ضمن المسافة الفاصلة بين الإفلات من العقاب والمتابعة الجنائية.

وشددت على أن الدور الجوهري للمحاكم المالية يتمثل في الإسهام في تحسين تدبير الشأن العام والرفع من جودة أداء المرافق والخدمات العمومية، سواء لفائدة المواطنين أو الفاعلين الاقتصاديين، مؤكدة أنها، انسجاماً مع الدستور، تقوم عند الاقتضاء بفرض الجزاءات المقررة قانوناً في حال الإخلال بالقواعد المؤطرة لتدبير المداخيل والنفقات العمومية للهيئات الخاضعة لمراقبتها.

وفي السياق نفسه، توقفت العدوي عند عدد من الإشكالات المرتبطة بممارسة اختصاص التأديب المالي، خاصة في ظرفية تتزامن مع استحقاقات انتخابية قريبة، مؤكدة أن ذلك يستدعي تفادي أي قراءة مغلوطة أو توظيف غير موضوعي لنتائج أعمال المجلس والمجالس الجهوية للحسابات، والتنبيه إلى مخاطر الاستغلال اللامسؤول لمخرجاتها.

وأكدت، في هذا الإطار، على ضرورة وضع الملفات المعروضة على المحاكم المالية في سياقها الموضوعي، والتمييز الواضح بينها وبين الجرائم المالية التي تدخل في اختصاص القضاء الجنائي، موضحة أن المخالفات التي تبت فيها المحاكم المالية لا تعني بالضرورة وجود اختلاس أو تبديد للمال العام، ولا تمس نزاهة المعنيين، إذ قد تكون في كثير من الحالات ناتجة عن أخطاء تدبيرية غير مقصودة، أو سوء تطبيق للنصوص القانونية، أو عدم احترام بعض الضوابط المسطرية، أو قصور في مهام الإشراف، وهي أمور لا ترقى إلى مستوى الجريمة المالية. وأضافت أن التأديب المالي يشكل آلية وسطى بين غياب العقوبة والمتابعة الجنائية.

كما أبرزت أن إحالة الملفات على المحاكم المالية تتم وفق مسار مضبوط ومؤطر، يقوم على مبادئ أساسية من بينها احترام المسطرة التواجهية، واتخاذ القرار بشكل جماعي، والتحليل الموضوعي للأسباب والقرائن المرتبطة بالأفعال المسجلة. وأشارت إلى أن هذه المحاكم تعتمد، في ممارستها لاختصاص التأديب المالي، مقاربة تراعي التوازن بين كلفة المسطرة وحجم الرهانات المالية المرتبطة بالأفعال المكتشفة، مع الحرص على تفعيل الأبعاد الوقائية والتأطيرية والبيداغوجية، واستنفاد مختلف الآليات التي يتيحها القانون.

وأوضحت العدوي أن هذه المنهجية أفضت إلى تحقيق أثر مالي فاق 629 مليون درهم، نتيجة الإجراءات التي اتخذتها عدد من الإدارات والهيئات العمومية استجابة لملاحظات وتوصيات المحاكم المالية، وحتى قبل الشروع في مساطر ترتيب المسؤوليات.

وفي عرضها أمام البرلمان، أثارت العدوي مسألة “تمثل الفساد”، محذرة من خطورة تضخيمه أو إسقاطه بشكل اعتباطي، معتبرة أن عواقب هذا التمثل قد تكون في بعض الأحيان بنفس خطورة الفساد نفسه، ولافتة إلى أن بعض المهام الرقابية يُساء فهمها، إذ يتم اعتبار كل عملية مراقبة وكأنها تحقيق في جرائم مالية.

وبخصوص المسطرة التواجهية خلال إنجاز مهام الرقابة، أشارت إلى تسجيل حالات يتم فيها، عن قصد وسوء نية، تسريب ملاحظات أولية واردة في تقارير تمهيدية ذات طابع مؤقت، رغم أن التقارير النهائية، بعد دراسة أجوبة الجهات المعنية، قد لا تتضمن العديد من تلك الملاحظات المسربة.

وأكدت أن الغرف القطاعية بالمجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات، عندما تقف على قرائن أفعال قد تشكل جريمة مالية، تقوم بدراستها بشكل موضوعي والتداول بشأنها داخل الهيئات المختصة، قبل إحالتها على النيابة العامة لدى المحاكم المالية.

وفي هذا الصدد، أوضحت العدوي أن الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات أحال، خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2024 إلى نهاية شتنبر 2025، على الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيساً للنيابة العامة، عشرين ملفاً تتعلق بأفعال قد تستوجب متابعة جنائية، همت عشرين جهازاً، من بينها ستة أجهزة عمومية تابعة للدولة، وثلاث عشرة جماعة ترابية، وجمعية واحدة، لترتفع بذلك حصيلة الملفات الجنائية المحالة ما بين 2021 و2025 إلى 55 ملفاً، بمعدل سنوي يناهز 11 ملفاً.

وأضافت أنه، وفق المعطيات المتوصل بها من رئاسة النيابة العامة، صدرت أحكام نهائية في ستة ملفات، فيما لا تزال خمسة ملفات رائجة أمام القضاء، وستة في طور التحقيق، و34 في مرحلة البحث، مقابل حفظ أربعة ملفات.

وفي ما يتعلق بالشكايات المقدمة إلى النيابات العامة من طرف جمعيات أو أفراد، والمستندة إلى تقارير المجلس الأعلى للحسابات خلال الفترة ما بين 2019 و2026، أفادت العدوي بأن عددها بلغ 31 شكاية، تم حفظ 30 منها، في حين توجد شكاية واحدة فقط قيد التحقيق.

أما بخصوص الشكايات المحالة على المجلس الأعلى للحسابات من طرف رئاسة النيابة العامة، في إطار مذكرة التفاهم الموقعة سنة 2021، فقد بلغ عددها 79 شكاية خلال الفترة الممتدة من يناير 2024 إلى نهاية دجنبر 2025، تبين بعد دراستها أن شكايتين فقط تتضمنان عناصر يمكن أن تثير مسؤولية المشتكى بهم، إحداهما ذات طابع جنائي، والأخرى تستوجب الإحالة في إطار التأديب المالي.

وختمت العدوي بالتأكيد على أن الغالبية الساحقة من الشكايات التي تتوصل بها المحاكم المالية لا تفضي إلى برمجة مهام رقابية أو إلى إحالات داخلية أو خارجية، موضحة أنه من أصل نحو 3.462 شكاية توصلت بها هذه المحاكم خلال الفترة نفسها، لم تتجاوز نسبة الشكايات التي اقترحت بشأنها مهام رقابية للتسيير 15,7 في المائة، فيما لم تتعد نسبة الشكايات التي استدعت تفعيل مساطر التأديب المالي 1,8 في المائة، بينما ظلت نسبة الشكايات التي قد تفضي إلى إحالة جنائية أقل من 1 في المائة.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button