الفلاحة والسياحة تنعشان مؤشرات الاقتصاد المغربي.. عجز الميزانية يتراجع بـ36,8% والتجارة الخارجية تواجه ضغوطاً متزايدة

كش بريس/التحرير ـ

كشفت أحدث مؤشرات الظرفية الاقتصادية بالمغرب عن تحسن ملحوظ في عدد من المؤشرات المالية والإنتاجية، مدفوعاً بانتعاش النشاط الفلاحي وارتفاع التدفقات السياحية، بالتوازي مع تحسن موارد الدولة وتراجع عجز الميزانية. غير أن هذه المؤشرات الإيجابية تقابلها اختلالات متنامية في المبادلات التجارية الخارجية، وتراجع في أداء بعض الأنشطة الصناعية والاستخراجية، وسط بيئة دولية تتسم بارتفاع تكاليف الطاقة وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.

وأفادت مذكرة الظرفية الاقتصادية الصادرة عن مديرية الدراسات والتوقعات المالية التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، بأن عجز الميزانية انخفض بنسبة 36,8 في المائة، ليستقر عند 33,1 مليار درهم مع نهاية شتنبر 2026، مستفيداً من نمو المداخيل العادية بوتيرة تفوقت على ارتفاع النفقات العمومية.

وعلى مستوى النشاط الاقتصادي، سجل الموسم الفلاحي نتائج استثنائية، بعدما بلغ إنتاج الحبوب نحو 90 مليون قنطار، بزيادة قدرها 110 في المائة مقارنة بالموسم السابق، فيما استقبل المغرب 15,7 ملايين سائح خلال الفترة نفسها، محققاً نمواً بنسبة 5 في المائة.

وتبرز هذه النتائج، وفق المعطيات الواردة في العدد 356 من المذكرة، دينامية متفاوتة بين القطاعات الاقتصادية، حيث شكلت الفلاحة والسياحة رافعتين أساسيتين للنشاط، في مقابل استمرار الضغوط على الصناعة الاستخراجية والتوازنات التجارية.

موسم فلاحي استثنائي يعزز النمو والاحتياطات المائية

كان القطاع الفلاحي أحد أبرز مصادر التحسن المسجل في المؤشرات الاقتصادية خلال الأشهر الماضية، بفضل الظروف المناخية المواتية والتساقطات المطرية التي بلغت 571 ملم، بارتفاع نسبته 82 في المائة مقارنة بالموسم السابق.

وانعكست هذه الظروف على القيمة المضافة الفلاحية التي ارتفعت بمتوسط 19,8 في المائة خلال النصف الأول من السنة، مع تسجيل زيادة بلغت 21,2 في المائة خلال الفصل الثاني.

وبلغ الإنتاج الإجمالي للحبوب 90 مليون قنطار، موزعاً بين 43 مليون قنطار من القمح اللين، و21 مليون قنطار من القمح الصلب، و26 مليون قنطار من الشعير، فيما امتدت المساحات المزروعة إلى 3,9 ملايين هكتار، بزيادة قدرها 46 في المائة.

وامتد أثر الموسم المطري إلى الوضعية المائية، إذ ارتفعت الموارد المخزنة بالسدود إلى 11,2 مليار متر مكعب في 19 أكتوبر، لترتفع نسبة الملء إلى 65,9 في المائة، مقابل 31,8 في المائة خلال الفترة ذاتها من السنة الماضية.

السياحة تواصل تعزيز موارد الاقتصاد الوطني

بدوره، حافظ القطاع السياحي على منحاه التصاعدي، مع تسجيل ارتفاع عدد الوافدين إلى المغرب بنسبة 5 في المائة، ليبلغ 15,7 ملايين سائح.

وتعزز هذا الأداء بارتفاع ليالي المبيت المسجلة بالمؤسسات السياحية المصنفة بنسبة 8 في المائة، لتصل إلى 30,8 ملايين ليلة مع نهاية غشت، فيما زادت مداخيل الأسفار بنسبة 9,7 في المائة، لتناهز 97,9 مليارات درهم.

وتؤكد هذه المؤشرات استمرار مساهمة السياحة في توفير العملة الصعبة وتنشيط الدورة الاقتصادية، إلى جانب دورها في دعم قطاعات النقل والإيواء والخدمات والتجارة.

موارد الدولة تنتعش وعجز الميزانية يتقلص

على مستوى المالية العمومية، أظهرت الأرقام تحسناً في قدرة الميزانية على تعبئة الموارد، بعدما بلغت المداخيل العادية 338,9 مليارات درهم متم شتنبر، مسجلة زيادة سنوية قدرها 14,8 في المائة، وهي نسبة تفوق بكثير وتيرة نمو النفقات الإجمالية التي لم تتجاوز 7 في المائة.

وساهمت المداخيل الضريبية، التي ارتفعت بنسبة 11,7 في المائة، في تعزيز هذه الدينامية، خصوصاً الضريبة على الشركات التي قفزت بنسبة 24,8 في المائة، لتبلغ 90,2 مليار درهم.

وفي المقابل، واصلت نفقات الاستثمار منحاها التصاعدي، مسجلة 82,8 مليارات درهم، بارتفاع نسبته 13,4 في المائة، فيما استقر عجز الميزانية عند 33,1 مليار درهم، بانخفاض 36,8 في المائة.

وعلى مستوى الأسعار، ظل التضخم في مستويات محدودة، إذ لم يتجاوز 0,3 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2026.

أما سوق الشغل، فقد سجلت بدورها تحسناً في مؤشر البطالة، بعدما انخفض معدلها إلى 9,5 في المائة خلال الفصل الثاني، بتراجع نقطة ونصف النقطة مقارنة بالفترة السابقة، و1,6 نقطة على أساس سنوي.

الصناعة الاستخراجية تنكمش والعجز التجاري يتسع

في مقابل المؤشرات الإيجابية المسجلة في الفلاحة والسياحة والمالية العمومية، كشفت المعطيات عن استمرار الصعوبات التي تواجه بعض الأنشطة الإنتاجية، خصوصاً الصناعة التحويلية والصناعة الاستخراجية.

فقد تراجعت القيمة المضافة للصناعة التحويلية بنسبة 2,3 في المائة خلال النصف الأول من السنة، بينما سجل القطاع الاستخراجي انخفاضاً أكثر حدة بلغ 15,9 في المائة. كما تراجع إنتاج الفوسفاط الخام بنسبة 16,4 في المائة مع نهاية غشت.

وتبدو وضعية التجارة الخارجية أكثر إثارة للقلق، بعدما اتسع العجز التجاري بنسبة 25,4 في المائة، ليستقر عند 282,6 مليار درهم، نتيجة تسارع الواردات مقارنة بالصادرات.

فقد ارتفعت الواردات بنسبة 15,8 في المائة، لتبلغ 617,5 مليار درهم، مقابل نمو الصادرات بنسبة 8,7 في المائة، في حدود 334,9 مليار درهم. وأدى هذا التفاوت إلى تراجع معدل تغطية الواردات بالصادرات إلى 54,2 في المائة، بانخفاض 3,5 نقاط.

وزادت الفاتورة الطاقية من حدة هذه الاختلالات، بعدما ارتفعت بنسبة 32,6 في المائة، لتصل إلى 96,4 مليار درهم، في ظل استمرار التقلبات الحادة التي تعرفها أسواق الطاقة الدولية.

ورغم ذلك، سجلت بعض القطاعات التصديرية أداءً إيجابياً، وفي مقدمتها صناعة السيارات التي ارتفعت صادراتها بنسبة 14,5 في المائة إلى 116,1 مليار درهم، وقطاع الطيران الذي حقق زيادة بنسبة 21,5 في المائة، لتبلغ صادراته 23 مليار درهم.

كما واصلت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج تعزيز موارد الاقتصاد الوطني، بارتفاع نسبته 9 في المائة، لتصل إلى 89,2 مليار درهم.

احتياطات مريحة وتمويل بنكي متسارع وبورصة متراجعة

وفي ما يتعلق بالمؤشرات النقدية والمالية، بلغت الأصول الاحتياطية الرسمية 499,8 مليار درهم، وهو مستوى يتيح تغطية ما يعادل خمسة أشهر و24 يوماً من واردات السلع والخدمات.

وسجلت القروض البنكية بدورها تسارعاً في وتيرة نموها، لتصل إلى 11,3 في المائة مع نهاية غشت، مدفوعة بشكل خاص بالقفزة المسجلة في قروض التجهيز، التي ارتفعت بنسبة 30,3 في المائة.

وفي سياق تدبير السياسة النقدية، قرر بنك المغرب الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند 2,25 في المائة، خلال اجتماعه المنعقد في 22 شتنبر.

أما بورصة الدار البيضاء، فقد أنهت الفصل الثالث على وقع تراجعات شملت أبرز مؤشراتها، إذ انخفض مؤشر مازي بنسبة 2,7 في المائة، وتراجع مؤشر مازي 20 بنسبة 4 في المائة. وبذلك بلغت خسائرهما منذ بداية السنة 5,9 في المائة و13,6 في المائة على التوالي.

اقتصاد محلي متماسك أمام اضطراب دولي متصاعد

وتأتي هذه الحصيلة الاقتصادية في سياق دولي بالغ التقلب، تتداخل فيه ضغوط الطاقة مع تباطؤ النمو العالمي وتزايد حالة عدم اليقين في الأسواق الدولية.

وفي هذا الإطار، بلغ سعر خام برنت 127,5 دولاراً للبرميل في 23 أكتوبر، بزيادة قدرها 80 في المائة مقارنة بنهاية فبراير، و95 في المائة على أساس سنوي.

وفي المقابل، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يتباطأ نمو الاقتصاد العالمي إلى 3,1 في المائة خلال السنة الجارية، قبل أن يرتفع إلى 3,4 في المائة سنة 2027.

وتكشف مجمل هذه المؤشرات عن اقتصاد مغربي يستفيد من انتعاش فلاحي وسياحي وتحسن في بعض التوازنات المالية، لكنه يظل في مواجهة تحديات بنيوية تتصل بضعف بعض الأنشطة الصناعية، واتساع العجز التجاري، وارتفاع كلفة الواردات الطاقية. وهي معطيات تجعل استدامة التحسن الاقتصادي مرتبطة بمدى قدرة القطاعات الإنتاجية على تعزيز تنافسيتها، وتقليص التبعية للخارج، وتحويل الانتعاش الظرفي إلى نمو أكثر توازناً واستقراراً.

↑
Exit mobile version