كش بريس/التحرير ـ
دقت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية ناقوس الخطر بشأن تصاعد الهجمات السيبرانية التي تستهدف المغرب، في وقت لم تعد فيه التهديدات الرقمية تقتصر على تعطيل المواقع والأنظمة، وإنما باتت تمتد إلى اختراق قواعد بيانات والاستيلاء على معلومات شخصية وحساسة ونشرها، بما يفتح نقاشاً متجدداً حول مستوى حماية المعطيات الرقمية وحصانة المؤسسات الحيوية أمام الهجمات الإلكترونية.
وأفادت الصحيفة بأن المغرب شهد خلال السنوات الأخيرة موجة من الهجمات الإلكترونية المتطورة التي طالت مؤسسات عمومية وخاصة، مشيرة إلى أن جانباً من هذه العمليات اتخذ منحى أكثر حساسية بعدما أفضى إلى تسريب معطيات شخصية مرتبطة بمسؤولين ومؤسسات. كما أوردت أن هوية الجهات التي تقف وراء بعض هذه الهجمات لم تُحسم، الأمر الذي يترك الباب مفتوحاً أمام فرضيات تتراوح بين الجريمة السيبرانية ذات الدوافع المالية والهجمات ذات الأبعاد السياسية أو المرتبطة بجهات خارجية.
وتكشف الأرقام حجم الضغط المتزايد على المنظومات الرقمية المغربية. فقد رصدت شركة «كاسبرسكي» أكثر من 20.7 مليون محاولة هجوم إلكتروني ضد أنظمة في المغرب خلال النصف الأول من سنة 2025، بينها نحو 15 مليون تهديد محلي وقرابة 6 ملايين هجوم عبر الإنترنت، إضافة إلى مئات الآلاف من محاولات استغلال الثغرات البرمجية وسرقة بيانات الاعتماد، وملايين الهجمات التي استهدفت بروتوكول الاتصال عن بُعد.
وفي معطى آخر، كشفت «مايكروسوفت» أن المغرب تعرض خلال سنة 2024 لنحو 12.6 مليون محاولة هجوم عبر الويب، مستهدفة مؤسسات عمومية وقطاعات حيوية، من بينها المالية والاتصالات والصناعة. كما أشارت الشركة إلى رصد 26 حادثاً سيبرانياً تقوده جهات مرتبطة بدول، خلال الفترة الممتدة بين يوليوز 2024 ويونيو 2025، استهدفت مؤسسات وقطاعات استراتيجية في المملكة.
ولا تكمن خطورة المشهد في حجم الهجمات فقط، وإنما في التحول النوعي الذي تعرفه أدواتها. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي يوفر للمهاجمين قدرة أكبر على إنتاج رسائل احتيالية مقنعة، وانتحال هويات رقمية، وتطوير أساليب أكثر خفاءً للتسلل إلى الشبكات. وتقول «مايكروسوفت» إن سرقة بيانات الاعتماد وبرمجيات الفدية والهجمات التي تستغل أخطاء المستخدمين أصبحت من أبرز عناصر المشهد السيبراني الجديد.
من حماية الأنظمة إلى حماية السيادة الرقمية
هذه التطورات تضع المؤسسات المغربية المكلفة بالأمن السيبراني أمام اختبار متزايد، وعلى رأسها المديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI)، التابعة لإدارة الدفاع الوطني، باعتبارها الجهة الوطنية المعنية بأمن نظم المعلومات وحماية البنى التحتية ذات الأهمية الحيوية، في إطار القانون رقم 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني.
ويكتسب دور هذه المؤسسة أهمية خاصة مع اتساع رقعة التحول الرقمي، وانتقال قطاعات واسعة من الخدمات الحكومية والمالية والإدارية إلى الفضاء الإلكتروني. فكلما توسعت البنية الرقمية للدولة، اتسعت في المقابل مساحة الهجوم المحتملة، وأصبح اختراق قاعدة بيانات أو نظام معلوماتي يتجاوز الخسارة التقنية إلى تهديد الثقة في المؤسسات نفسها.
وفي المستوى الاستخباراتي، تبرز كذلك منظومة الاستخبارات التقنية باعتبارها إحدى الأدوات المرتبطة برصد التهديدات السيبرانية والاستراتيجية، وتتبع النشاطات الإلكترونية التي قد تستهدف المصالح الحيوية للدولة. وهو ما يجعل الأمن السيبراني جزءاً من منظومة أوسع تتداخل فيها حماية البيانات مع الأمن الوطني والاستخبارات والدفاع عن السيادة الرقمية.
20.7 مليون محاولة.. لكن ماذا تعني الأرقام؟
ومع ذلك، فإن التعامل مع هذه الأرقام يحتاج إلى قدر من الدقة. فـ20.7 مليون محاولة لا تعني بالضرورة اختراق 20.7 مليون نظام، وإنما تمثل محاولات هجوم رصدتها أنظمة التتبع والحماية التابعة لـ«كاسبرسكي». وقد شملت هذه المحاولات مستويات مختلفة من التهديد، من محاولات استغلال الثغرات إلى سرقة بيانات الاعتماد وبرمجيات التجسس والهجمات عبر بروتوكولات الاتصال عن بعد.
لكن الأهم من الرقم الخام هو طبيعة التهديد نفسه: ارتفاع محاولات سرقة الهوية والبيانات، وتطور البرمجيات الخبيثة، وتوظيف الذكاء الاصطناعي، واستهداف القطاعات الحيوية، كلها مؤشرات على انتقال الهجمات السيبرانية من مجرد نشاط إجرامي تقني إلى أداة محتملة للابتزاز والتجسس والتأثير السياسي والاستراتيجي.
وهنا تبرز المفارقة: المغرب يسرّع انتقاله نحو الدولة الرقمية، لكنه في الوقت نفسه يجد نفسه أمام بيئة إلكترونية أكثر عدوانية وتعقيداً. ولذلك فإن السؤال لم يعد فقط حول قدرة المؤسسات على صد الهجمات، وإنما حول قدرتها على ضمان عدم تحول البيانات التي تنتجها الدولة والمواطنون والشركات إلى نقطة ضعف استراتيجية.
ففي العالم الرقمي، قد لا يكون سقوط خادم معلوماتي هو الخطر الأكبر؛ الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول البيانات المسروقة إلى أداة للابتزاز، أو للتشهير، أو للتأثير السياسي، أو لاختراق الثقة العامة.
ومن هذه الزاوية، فإن موجة الهجمات التي يتعرض لها المغرب تضع مفهوم الأمن السيبراني أمام تعريف أكثر اتساعاً: حماية الأنظمة، وحماية البيانات، وحماية المؤسسات، وأخيراً حماية السيادة الرقمية للدولة.

الاتحاد الأوروبي يطلق بشراكة مغربية برنامج «إقلاع» لتسريع نمو المقاولات الثقافية والإبداعية
د سعيد أوهادي: من يدفع ثمن الكفاءة؟ سؤال الماستر والتكوين المستمر
بعث التراث الفرعوني بأنامل أمازيغية في مؤلف “الزريبة” ليزيد العطو
«أمنستي» تحذر من تصاعد العنف في سبتة وتطالب بحماية المهاجرين واللاجئين