المغرب وإسبانيا.. تكامل اقتصادي ومنافسة عسكرية تضبطها حسابات الردع ومخاطر سوء التقدير

كش بريس/التحرير ـ

كشف تقرير تحليلي صادر عن معهد تحليل العلاقات الدولية (IARI)، تحت عنوان «اختلالات التوازن العسكري، والتداخل الاقتصادي، والمنافسة في غرب البحر الأبيض المتوسط»، عن طبيعة مركبة للعلاقات المغربية الإسبانية، تتقاطع فيها المصالح التجارية والصناعية مع التنافس العسكري والخلافات السيادية والإقليمية. وخلص التقرير إلى أن الروابط الاقتصادية المتينة بين البلدين تشكل عامل استقرار يحد من احتمالات الانزلاق إلى قطيعة طويلة الأمد، دون أن يلغي بؤر التوتر المرتبطة بسبتة ومليلية المحتلتين، وتدبير الهجرة، وترسيم الحدود البحرية.

ويرى التقرير أن توصيف العلاقات بين الرباط ومدريد بالتعاون الكامل لا يعكس حقيقة التوازنات القائمة، في ظل استمرار الخلافات بشأن عدد من الملفات الحساسة. غير أن ارتفاع مستوى التشابك التجاري وتنامي المصالح المشتركة يجعلان كلفة المواجهة السياسية والاقتصادية مرتفعة على الطرفين، ويحدان من دوافع التصعيد المتعمد والممتد.

تنافس استراتيجي تحت سقف المصالح المشتركة

يسجل التقرير أن تنامي القدرات المغربية يندرج ضمن منافسة إقليمية تتسم بقدر من الانضباط، في وقت تؤدي فيه العلاقات الاقتصادية دورا محوريا في احتواء الخلافات. ويستند هذا التوازن إلى توسع التعاون في مجالات الموانئ والصناعة والأمن البحري، بما يوفر قنوات اتصال يمكن تفعيلها عند اندلاع الأزمات.

ويحذر المعهد من أن ملفات سبتة ومليلية والهجرة وترسيم الحدود البحرية قد تتحول إلى بؤر احتكاك سياسي ودبلوماسي، دون أن تعني بالضرورة انتقال العلاقات إلى قطيعة استراتيجية. فمواجهة دبلوماسية أو حادث محدود في منطقة حساسة قد يدفعان إلى التعبئة واتخاذ إجراءات متبادلة، خصوصا عندما تتداخل الحسابات الأمنية مع الضغوط الإعلامية والإشارات العسكرية القابلة لتفسيرات متباينة.

ويعتبر التقرير أن الخطر لا يرتبط حصرا بوجود نيات عدائية مسبقة، وإنما يشمل أيضا احتمالات سوء التقدير وتضخيم الحوادث وسوء قراءة التحركات العسكرية. لذلك يضع آليات إدارة الأزمات، والاتصال الدبلوماسي المباشر، والتحقق الدقيق من الوقائع، ضمن الأدوات الضرورية لمنع تحول الاحتكاكات المحدودة إلى مواجهة أوسع.

الصناعة والسيارات.. كلفة اقتصادية لأي تصعيد

تبرز هشاشة أي قطيعة اقتصادية مطولة في ضوء الترابط الصناعي بين البلدين، ولا سيما في قطاع السيارات، حيث تحضر الشركات الإسبانية ضمن منظومة التصنيع والإنتاج بالمغرب.

ويشير التقرير إلى أن أي نزاع سياسي أو جمركي ممتد ستكون له انعكاسات مباشرة على الإنتاج والتشغيل والاستثمارات في الضفتين، مع تعرض المغرب لمخاطر نسبية أكبر في بعض المجالات، مقابل تكاليف قطاعية ملموسة للاقتصاد الإسباني.

وتمنح هذه المصالح المتبادلة العلاقات الثنائية إحدى أهم آليات احتواء التصعيد؛ إذ لا تقتصر تداعيات الخلاف على المبادلات التجارية، وإنما تمتد إلى سلاسل التوريد والأنشطة الصناعية وفرص العمل. وهو ما يجعل الحفاظ على قنوات التعاون مصلحة اقتصادية مشتركة، حتى في ظل استمرار التنافس بشأن القضايا السيادية والاستراتيجية.

الإنفاق العسكري.. تفوق إسباني لا يحسم وحده ميزان القوة

على المستوى العسكري، أورد التقرير أن الإنفاق الدفاعي الإسباني بلغ نحو 34.287 مليار يورو خلال السنة الماضية، مقابل 5.645 مليارات يورو للمغرب، محذرا من التعامل مع هذه الأرقام بوصفها مؤشرا حاسما على القدرة الفعلية على خوض العمليات العسكرية.

فالتفوق المالي، وفق التقرير، لا يضمن بالضرورة الاستخدام الأمثل للموارد أو القدرة على توظيفها في الوقت والمكان المناسبين. ويتحدد الوزن العسكري أيضا بمدى الجاهزية التشغيلية، وسرعة التعبئة، والقدرة على نقل القوات والإمدادات، وطبيعة مسرح العمليات ومدتها، فضلا عن كفاءة القيادة والتنسيق مع الحلفاء.

ويشير المعهد إلى احتفاظ إسبانيا بمزايا واضحة في مجال المنصات الجوية والبحرية، والصناعات الدفاعية، والتكامل العسكري مع حلفائها. في المقابل، يواصل المغرب تحديث قدراته العسكرية عبر مسار تكنولوجي يستهدف تعزيز إمكاناته الدفاعية وتطوير منظوماته الجوية.

وفي هذا السياق، يستحضر التقرير موافقة الولايات المتحدة، سنة 2019، على صفقة شملت اقتناء المغرب 25 مقاتلة من طراز F-16 Block 72، إلى جانب 23 حزمة لتحديث مقاتلات F-16 الموجودة في الخدمة. كما أشار إلى إعلان شركة «لوكهيد مارتن» عن الرحلة الأولى لإحدى المقاتلات المغربية الجديدة من هذا الطراز في السادس من أكتوبر الجاري.

وتعكس هذه الخطوات توجها نحو تحديث القدرات الجوية وتعزيز الجاهزية، غير أن التقرير يشدد على ضرورة قراءة التحولات العسكرية في سياقها الإقليمي الأوسع، بعيدا عن اختزالها في احتمال المواجهة مع إسبانيا.

الجزائر ونزاع الصحراء.. المحدد الإقليمي لتحديث الترسانة المغربية

يربط التقرير جانباً مهماً من احتياجات المغرب الدفاعية بالتوازنات الاستراتيجية في شمال إفريقيا، خصوصا في ظل التوتر المستمر مع الجزائر والنزاع حول الصحراء.

وينقل عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) تقديرات للإنفاق العسكري الجزائري بلغت نحو 25.4 مليار دولار سنة 2025، مقابل 6.3 مليارات دولار للمغرب. ويستند التقرير إلى هذا الفارق لإبراز أثر المنافسة الإقليمية في توجيه أولويات الإنفاق والتحديث العسكري لدى البلدين.

وبناء على ذلك، يرى المعهد أن تفسير التسلح المغربي باعتباره استعدادا لمهاجمة إسبانيا لا تسنده، في حد ذاته، بيانات الإنفاق العسكري. فقراءة الأرقام بمعزل عن البيئة الأمنية الإقليمية، وتوازنات الردع، وتعدد مصادر التهديد والتوتر، قد تقود إلى استنتاجات لا تعكس حقيقة الدوافع الاستراتيجية.

ويؤكد هذا التقدير أهمية التمييز بين امتلاك القدرة العسكرية والنية السياسية لاستخدامها؛ إذ يمكن أن يؤدي تطوير الترسانة إلى تعزيز الردع وتحسين الموقع التفاوضي، من دون أن يشكل دليلا تلقائيا على التخطيط لحرب.

جبل طارق وسبتة ومليلية.. جغرافيا التوتر وحسابات السيادة

يحتل مضيق جبل طارق موقعا محوريا في التحليل، بالنظر إلى تركز طرق التجارة البحرية وتدفقات الطاقة وحركة الأشخاص والبنية التحتية للموانئ في مجال جغرافي تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والحسابات السياسية والعسكرية.

وفي هذا السياق، تبرز سبتة ومليلية بوصفهما نقطتين شديدتي الحساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، بالنظر إلى موقعهما وقربهما من الحدود البرية المغربية. غير أن التقرير يميز بين الأهمية الاستراتيجية لهاتين المدينتين وبين الاستدلال بها على وجود تهديد عسكري وشيك، مؤكدا أن الحساسية الجغرافية والسياسية لا تكفي وحدها لإثبات نية التصعيد المسلح.

ويمتد التنافس إلى المجال الأطلسي، حيث تضيف جزر الكناري والسواحل المقابلة للصحراء أبعادا جديدة للخلافات المتعلقة بترسيم الحدود البحرية وتحديد نطاقات الاختصاص. ويستحضر التقرير جبل «تروبيك» البحري، باعتباره تكوينا جيولوجيا تحت الماء يثير اهتماما علميا واقتصاديا محتملا، مع التنبيه إلى أن موقعه لا يمنح تلقائيا أيا من الدولتين حقوقا حصرية في استغلال موارده.

وتكشف هذه الملفات عن اتساع نطاق التنافس من المجال الترابي إلى المجال البحري، حيث تتشابك الاعتبارات السيادية مع المصالح الاقتصادية والموارد المحتملة، وتصبح القواعد القانونية والتفاوض الدبلوماسي أدوات رئيسية لإدارة الخلافات.

الدبلوماسية والردع.. بدائل المواجهة العسكرية

يخلص التقرير إلى أن المغرب يسعى، وفق قراءته، إلى تحسين موقعه التفاوضي في الملفات الثنائية وتعزيز قدراته الردعية، فيما قد تتخذ الضغوط المتبادلة أشكالا دبلوماسية أو قانونية، خصوصا في النزاعات المتعلقة بالمجالات البحرية، بدلا من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية تقليدية.

ويظل الترابط الاقتصادي، بما يشمله من موانئ وشبكات تصنيع ومصالح تجارية مشتركة، عاملا كابحا لاحتمالات القطيعة، وإن كان لا يستبعد حدوث أزمات حادة أو إجراءات متبادلة في لحظات التوتر.

ويضع التقرير بذلك العلاقات المغربية الإسبانية أمام معادلة استراتيجية دقيقة: تنافس على السيادة والنفوذ والمجالات البحرية، يقابله اعتماد اقتصادي متبادل يجعل كلفة المواجهة مرتفعة. وفي ظل هذه المعادلة، تصبح القدرة على الردع وإدارة الأزمات والتمييز بين الاستعداد العسكري والنية الهجومية عناصر أساسية لفهم مستقبل العلاقات بين البلدين.

فالترسانة العسكرية، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لتفسير اتجاهات السياسة الخارجية أو استشراف احتمالات الحرب. وتظل قراءة التحولات الإقليمية رهينة تحليل المصالح الاقتصادية، وحسابات الأمن، وموازين القوى، وقدرة المؤسسات الدبلوماسية على احتواء الخلاف قبل أن يتحول إلى أزمة يصعب التحكم في مساراتها.

↑
Exit mobile version