المغرب يعيد رسم عقيدته الاستخباراتية الجوية نحو الجيل الأمريكي المتقدم

كش بريس/التحرير ـ أفاد تقرير تحليلي حديث صادر عن منصة “ديفينسا” المتخصصة في الشؤون العسكرية بأن المغرب بصدد إعادة تشكيل رؤيته الاستراتيجية في مجال الاستخبارات الجوية والمراقبة والاستطلاع، باعتبارها أحد الأعمدة الأساسية في منظومات الدفاع الحديثة. وأوضح التقرير أن المملكة تجري حالياً مراجعة شاملة لتوجهاتها في هذا المجال، في اتجاه تبني مقاربة أكثر تطوراً من الناحية التكنولوجية وأكثر تعقيداً من حيث القدرات العملياتية.

ويشير المصدر إلى أن هذا التحول يرتبط بإبداء اهتمام بمنظومة الكشف والمراقبة عالية الارتفاع والمعروفة اختصاراً بـ(HADES)، وهي نظام أمريكي متقدم يندرج ضمن الجيل الجديد من منصات الاستطلاع الجوي بعيدة المدى. ووفقاً للتقرير، فإن هذا التوجه يعكس انتقالاً تدريجياً في العقيدة الدفاعية المغربية نحو تعزيز قدرات الرصد العميق والبعيد، بما يواكب التطورات التي تعرفها القوى العسكرية الإقليمية والدولية.

ويستحضر التقرير أن المؤسسة العسكرية المغربية كانت تسعى منذ سنوات إلى تجاوز فجوة على مستوى القدرات الاستخباراتية الجوية، خاصة في ما يتعلق بغياب منصة متخصصة في جمع معلومات الإشارات والاستخبارات الإلكترونية والمراقبة الاستراتيجية بعيدة المدى. وتبرز هذه الحاجة بشكل خاص بالنظر إلى اتساع المجال الجغرافي الذي يشمل الصحراء المغربية والحدود مع منطقة الساحل، إضافة إلى الواجهة الأطلسية والممرات البحرية ذات الأهمية الاستراتيجية في الشمال.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى أن نهاية العقد الماضي شهدت طرح مشروع اقتناء طائرات من طراز Gulfstream G550 وتعديلها لتصبح منصات استخبارات جوية متقدمة، بالنظر إلى نجاح هذا النموذج في تجارب دول مثل الولايات المتحدة وإسرائيل وسنغافورة، حيث أثبتت كفاءتها في مهام التحليق الطويل والاستطلاع عالي الارتفاع. غير أن هذا المشروع لم يكتمل لأسباب لم تُحسم بشكل رسمي، وسط ترجيحات تتعلق بالتعقيدات التقنية وارتفاع الكلفة وإعادة ترتيب الأولويات الدفاعية، وهو ما أدى عملياً إلى استمرار الاعتماد على وسائل أقل تطوراً مثل طائرة Dassault Falcon 20.

ويرى التقرير أن الاهتمام بمنظومة HADES يمثل تحولاً نوعياً مقارنة بالمقاربات السابقة، إذ لا يتعلق الأمر بمنصة جوية معدلة فحسب، بل بنظام استخباراتي متكامل يجري تطويره داخل المنظومة العسكرية الأمريكية ليشكل أحد المكونات الرئيسية لعمليات الاستطلاع في ساحات القتال المستقبلية.

ويضيف المصدر أن تميز هذا البرنامج الأمريكي يكمن في اعتماده مقاربة عملية في التطوير، حيث لم يقتصر الأمر على الاختبارات النظرية، بل تم تشغيل طائرات ضمن برامج تعاقدية في مهام استطلاع فعلية خلال السنوات الأخيرة في مناطق عمليات حساسة، من بينها أوروبا الشرقية والمحيط الهادئ. وقد سمح ذلك بجمع بيانات ميدانية واسعة، واختبار أجهزة الاستشعار في بيئات إلكترونية معقدة، بما أسهم في تطوير النظام بناءً على معطيات واقعية مباشرة.

وبناءً على ذلك، يؤكد التقرير أن منظومة HADES، حتى قبل دخولها الخدمة الرسمية، تستند إلى قاعدة صلبة من التجربة العملياتية، ما يمنحها قدرة أعلى على التكيف مع التهديدات الراهنة والمستقبلية. كما يُرتقب أن تدمج هذه المنظومة أجهزة متقدمة لاعتراض وتحليل الاتصالات والإشارات الإلكترونية، وتحديد مواقع الرادارات، مع إمكانية توظيفها في مهام الحرب الإلكترونية.

وبخصوص دوافع هذا التوجه، يطرح التقرير سؤالاً حول اختيار المغرب لمنظومة لا تزال قيد التطوير بدل حلول جاهزة، ليخلص إلى أن الأمر يرتبط برؤية استراتيجية بعيدة المدى. فاختيار هذا البرنامج لا يعني مجرد اقتناء طائرة استطلاع، بل الانخراط في منظومة تكنولوجية متقدمة تتيح تحديثاً مستمراً، وتضمن مستويات عالية من التوافق التشغيلي مع الأنظمة الأمريكية، وهو ما يعزز شراكة المغرب الاستراتيجية مع واشنطن.

ويضيف المصدر أن امتلاك مثل هذه القدرات من شأنه أن يمنح المغرب تفوقاً نوعياً في محيطه الإقليمي، من خلال تحسين قدراته على مراقبة التحركات العسكرية، ورصد البنى التحتية الدفاعية، وتوفير صورة استخباراتية دقيقة لصناع القرار، وذلك من مسافات آمنة تتجاوز نطاق التهديدات المباشرة.

غير أن التقرير لا يغفل الإشارة إلى أن هذا المسار يظل طويلاً ومعقداً، إذ إن الانتقال إلى هذه المنظومة يمر عبر برنامج المبيعات العسكرية الخارجية الأمريكي (FMS)، وهو ما يجعل المرحلة الحالية مجرد خطوة أولى ضمن مسار تفاوضي وتقني قد يمتد لسنوات، ويخضع لموافقات سياسية وعسكرية متعددة.

ويخلص التقرير، في قراءته الختامية، إلى أن اهتمام المغرب بهذه المنظومة يعكس تحولاً تدريجياً في فلسفة التخطيط الدفاعي، يقوم على الاستثمار في قدرات استراتيجية عالية التأثير حتى وإن كانت بعيدة المدى من حيث التنفيذ. ويرى أن نجاح هذا التوجه قد يضع المغرب ضمن دائرة محدودة من الدول التي تمتلك قدرات استخبارات جوية متقدمة، بما قد يعيد تشكيل التوازنات العسكرية والتكنولوجية في شمال إفريقيا وحوض المتوسط على المدى المتوسط والبعيد.

Exit mobile version