كشبريس/ التحرير ـ في سياق التحولات المتسارعة التي تعرفها خرائط الهجرة بالعالم، لم تعد قضايا التنقل البشري تُقارب فقط من زاوية التدبير الأمني أو الإنساني الضيق، بل أضحت رهانا تنمويا ومجاليا يعكس قدرة الدول على بناء سياسات عمومية أكثر إدماجا وتوازنا. وفي هذا الإطار، يواصل المغرب ترسيخ مقاربته الخاصة في مجال الهجرة واللجوء، من خلال محاولة نقل هذا الورش من مستوى التصورات المركزية إلى فضاءات التدبير الترابي المحلي، بما يجعل الجماعات والجهات فاعلا مباشرا في صناعة الاندماج الاجتماعي والثقافي للمهاجرين.
وفي هذا السياق، كشفت المنظمة الدولية للهجرة بالمغرب عن إنجاز دراسة تحليلية مقارنة ترصد كيفية تنزيل الإستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، التي أُطلقت سنة 2014، على المستوى الترابي بأربع جهات هي جهة الشرق، وجهة سوس-ماسة، وجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، وجهة بني ملال-خنيفرة.
وأوضحت المنظمة، ضمن بلاغ رسمي، أن الدراسة أبرزت مجموعة من التجارب والممارسات التي وُصفت بـ”الفضلى”، والتي أبانت عن تفاوت إيجابي في طرق تفاعل الجهات مع قضايا الهجرة والإدماج. فقد سجلت جهة الشرق حضورا لافتا في ما يتعلق بتسهيل ولوج المهاجرين إلى الخدمات الأساسية، وعلى رأسها التعليم والصحة، بينما برزت جهة طنجة-تطوان-الحسيمة عبر مبادرات تستهدف تعزيز الحوار بين الثقافات وتوسيع فرص التكوين المهني لفائدة المهاجرين.
أما جهة سوس-ماسة، فقد قدمت، بحسب الدراسة، نموذجا في تعبئة الفاعلين الترابيين والمؤسسات المحلية حول رهانات الهجرة، بما يعكس تحولا تدريجيا في النظر إلى هذه القضية باعتبارها مسؤولية جماعية تتقاطع فيها الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
وأكدت المنظمة الدولية للهجرة أن الدراسة، التي شكلت موضوع ندوة صحفية خلال الأسبوع الجاري، أبرزت تنامي أدوار الجماعات الترابية والمصالح اللاممركزة والفاعلين المحليين في بلورة سياسات هجرة مستمدة من خصوصيات الواقع المحلي، وهو ما يساهم في تحسين ولوج المهاجرين إلى الخدمات الأساسية، وتعزيز إدماجهم السوسيو-اقتصادي، وتقوية التماسك الاجتماعي داخل الفضاءات المحلية.
كما شددت المنظمة على أن المغرب أصبح يعيش دينامية هجرة متعددة الأبعاد، تشمل الهجرة الوافدة والهجرة نحو الخارج، إضافة إلى الهجرة العابرة والعودة والتنقلات الداخلية، وهو ما فرض إعادة بناء تصور جديد لحكامة الهجرة، خاصة بعد التوجيهات الملكية الصادرة سنة 2013، التي مهدت لإطلاق الإستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء كإطار شامل لإعادة تنظيم هذا المجال.
ومن بين أبرز الخلاصات التي انتهت إليها الدراسة، أن نجاح تنزيل الإستراتيجية على المستوى الترابي يظل رهينا بدرجة انخراط الفاعلين المحليين، وجودة التنسيق المؤسساتي، فضلا عن توفر مشاريع مهيكلة تحظى بدعم الشركاء التقنيين والماليين.
كما نقل البلاغ شهادات لمهاجرين شاركوا في الدراسة، أكدوا فيها أهمية الولوج إلى الأنشطة الرياضية والترفيهية، وجودة الفضاءات والبنيات التحتية، وانفتاح المجال العمومي في بعض الجهات، باعتبارها عناصر أساسية تساعد على بناء الشعور بالانتماء وتعزيز المشاركة داخل الحياة المحلية.
ورغم المؤشرات الإيجابية التي رصدتها الدراسة، إلا أنها وقفت أيضا عند عدد من الإكراهات المستمرة، من بينها ضعف الموارد البشرية المتخصصة، والتفاوت في تعبئة التمويلات المحلية، فضلا عن اعتماد عدد من المشاريع المرتبطة بالهجرة على الدعم الدولي. كما سجلت الدراسة غياب اختصاصات قانونية واضحة ومباشرة مرتبطة بقضايا الهجرة ضمن القوانين التنظيمية المؤطرة للجماعات الترابية.
وفي المحصلة، تكشف هذه الدراسة أن تحدي الهجرة بالمغرب لم يعد مجرد ملف ظرفي أو قضية عابرة، بل أصبح اختبارا حقيقيا لقدرة السياسات العمومية على إنتاج نموذج جديد للعيش المشترك، يقوم على الإدماج والكرامة وتقاسم المجال العمومي. فالهجرة، في عالم اليوم، لم تعد فقط حركة عبور للأجساد، بل تحولت إلى سؤال عميق حول معنى المواطنة، وحدود الهوية، وإمكان بناء مجتمع يتسع لاختلاف البشر دون أن يفقد توازنه أو إنسانيته.

مجلس المنافسة يفتح الباب لتسقيف أسعار الأضاحي قبيل العيد
بوعياش: الديمقراطية لم تعد تُهدَّد بالسلاح فقط بل بالخوارزميات أيضا
نادية جلولي: رسالة تحت الماء