تحليل: احتجاجات طلاب الثانويات تهز فرنسا.. أزمة التعليم تتحول إلى مواجهة سياسية وأمنية

كش بريس/التحرير (وكالات) ـ

دخلت الاحتجاجات التي يقودها طلاب الثانويات في فرنسا مرحلة أكثر توتراً، مع خروج عشرات الآلاف إلى شوارع باريس ومدن أخرى، في ثالث يوم من التحرك الذي بدأ بمطالب مرتبطة بأوضاع المدرسة العمومية، قبل أن يتسع نطاقه ويتحول تدريجياً إلى أزمة سياسية وأمنية تتداخل فيها قضايا التعليم بالهجرة والإسلام والأمن والصراع السياسي داخل فرنسا وخارجها.

وانطلقت شرارة الاحتجاجات منتصف شتنبر من إحدى ثانويات منطقة كريتاي بإقليم فال دو مارن، قبل أن تنتقل العدوى الاحتجاجية إلى مؤسسات ومدن أخرى. ويرفع المحتجون مطالب تتعلق بتحسين ظروف الدراسة، وتوفير الموارد البشرية والمالية، وسد الخصاص في المدرسين، ولا سيما معالجة ظاهرة الغياب غير المعوض، إلى جانب إصلاح البنيات المدرسية التي تعاني، وفق المحتجين، من مظاهر تدهور متباينة.

وتشمل المطالب أيضاً الاعتراض على الضغوط التي يفرضها نظام القبول الجامعي «باركورسوپ»، بما يعكس اتساع دائرة القلق لدى التلاميذ من مرحلة الانتقال إلى التعليم العالي. لكن الاحتجاج لم يبق محصوراً في المطالب التعليمية، بعدما شهدت بعض المناطق مواجهات وأعمال تخريب، لتتحول الأزمة من نزاع حول الموارد وظروف الدراسة إلى اختبار جديد لعلاقة الدولة الفرنسية بالاحتجاجات الاجتماعية والشبابية.

وتشير المعطيات الحكومية الواردة في المادة إلى إصابة 85 من العاملين في قطاع التعليم و215 طالباً و715 من أفراد قوات الأمن منذ بداية الحراك، بالتزامن مع فتح تحقيقات من طرف المفتشية العامة للشرطة الوطنية بشأن أحداث مرتبطة بالاحتجاجات. وتكشف هذه الأرقام عن انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة، خصوصاً مع دخول الأجهزة الأمنية طرفاً مركزياً في إدارة الأزمة.

الحكومة أمام معادلة الأمن والاحتجاج

أمام تصاعد المواجهات، حاولت الحكومة الفرنسية احتواء البعد الأمني للأزمة من خلال التأكيد على أن أي تجاوز من جانب قوات الأمن سيخضع للمساءلة. وقال رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إن العناصر الأمنية التي يثبت خرقها لتعليمات القيادة ستتعرض للعقوبة، نافياً في الوقت نفسه وجود تعليمات سياسية لقمع المحتجين. كما أكد وزير الداخلية لوران نونيز أن تدخلات الشرطة تتم، وفق روايته، بصورة متناسبة مع أعمال العنف، رافضاً الاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة حرب ضد المتظاهرين.

وفي موازاة ذلك، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى اجتماع أمني وسياسي طارئ بمشاركة رئيس الوزراء ووزير التربية الوطنية، في محاولة لبحث تطورات الاحتجاجات وانعكاساتها، بعدما باتت الأزمة تتجاوز حدود المؤسسات التعليمية إلى المجال العام.

ويكشف هذا التطور عن مفارقة أساسية في مسار الاحتجاج: فالحراك الذي انطلق من مطالب مرتبطة بالمدرسة والموارد البشرية والبنية التحتية، بات محكوماً بمنطق أمني وسياسي أوسع، فيما أصبحت طريقة تعامل السلطة مع الشارع جزءاً من الصراع نفسه.

ترامب يوسّع دائرة السجال

ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند الحدود الفرنسية، إذ دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خط الاحتجاجات بتصريحات ربط فيها ما يجري في فرنسا بالهجرة والإسلام، معتبراً أن القضية تتجاوز المطالب المدرسية. غير أن المادة لا تقدم أي معطيات أو أدلة تربط الاحتجاجات الطلابية التي انطلقت من المؤسسات التعليمية بالهجرة أو بالإسلام، وهو ما يجعل هذا التفسير جزءاً من السجال السياسي حول الأزمة وليس توصيفاً موثقاً لأسبابها.

وتزامنت تصريحات ترامب مع مواقف لشخصيات أمريكية محافظة قدمت الاحتجاجات الفرنسية باعتبارها نموذجاً لما يمكن أن يحدث في الولايات المتحدة، فيما ذهب المعلق غلين بيك إلى وضع الأحداث ضمن سردية أوسع عن صراع سياسي داخل الغرب. وبذلك انتقلت الاحتجاجات من كونها أزمة فرنسية داخلية إلى مادة في السجال السياسي الأمريكي حول الهجرة واليسار والإسلام ومستقبل المجتمعات الغربية.

ميلانشون يرفض «الرواية المتخيلة»

في المقابل، رد زعيم حزب «فرنسا الأبية» جان لوك ميلانشون على تصريحات ترامب، معتبراً أنها تقدم تفسيراً لا يستند إلى حقيقة الاحتجاجات ومطالبها، واتهم اليمين الفرنسي بالمساهمة في إنتاج سردية تخدم هذا النوع من التفسير.

كما حمّل ميلانشون الحكومة ورئيس الوزراء مسؤولية تصعيد الوضع، متهماً السلطة باستخدام القوة ضد الطلاب والمتظاهرين، ومعتبراً أن طريقة إدارة الاحتجاج يمكن أن تساهم في إنتاج مزيد من الفوضى والعنف. وهي مواقف سياسية تعكس بدورها عمق الانقسام الفرنسي حول حدود استخدام القوة، وطبيعة الاحتجاج، والمسؤولية عن تدهور الوضع الأمني.

من أزمة المدرسة إلى أزمة الثقة

وتكشف الاحتجاجات، في مجمل مسارها، عن أزمة تتجاوز المطالب المباشرة للطلاب. فحين يبدأ الحراك بالمطالبة بالمدرسين والموارد وتحسين البنيات المدرسية، ثم ينتقل إلى الشارع والمواجهة الأمنية، ويصبح موضوعاً في السجال الانتخابي والإيديولوجي داخل فرنسا والولايات المتحدة، فإن المسألة تتحول من أزمة في المدرسة إلى أزمة في الثقة بالمؤسسات وآليات الاستجابة للمطالب الاجتماعية.

وتبدو المدرسة هنا نقطة انطلاق لأزمة أوسع: نقص الموارد والضغط على المؤسسات التعليمية من جهة، وقلق الطلاب بشأن مستقبلهم الجامعي من جهة ثانية، ثم اتساع الفجوة بين المحتجين والسلطة عندما تدخل القوة الأمنية في إدارة الاحتجاج.

وبينما تسعى الحكومة إلى ضبط الشارع ومنع تحول الاحتجاج إلى اضطراب أمني، يصر الطلاب على أن جذور الأزمة تكمن في المدرسة نفسها؛ وبين الرواية الرسمية التي تركز على حفظ النظام، والروايات السياسية التي تتنافس على تفسير أسباب العنف، يبقى السؤال المركزي متعلقاً بقدرة الدولة الفرنسية على معالجة المطالب الاجتماعية قبل أن تتحول إلى أزمة سياسية وأمنية مفتوحة.

↑
Exit mobile version