كش بريس/التحرير ـ
لم تعد المخاطر التي تهدد العالم تُقرأ من بوابة المناخ والأوبئة والكوارث البيئية وحدها؛ إذ تكشف نتائج تقرير الأمم المتحدة عن المخاطر العالمية لعام 2026 تحولاً واضحاً في خريطة القلق الدولي، مع صعود المخاطر السياسية والجيوسياسية إلى مقدمة المشهد، وفي قلبها خطر اندلاع حرب واسعة النطاق الذي بات يُنظر إليه باعتباره أكثر إلحاحاً من ذي قبل.
ويستند التقرير، الذي نشرته الأمم المتحدة في 15 شتنبر 2026، إلى استطلاع شمل نحو 1300 من أصحاب المصلحة في 155 دولة، يمثلون الحكومات والمنظمات الدولية وقطاع الأعمال والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية. وطُلب من المشاركين تقييم 28 خطراً عالمياً، وفق احتمالات وقوعها وتأثيراتها المحتملة ومدى ترابطها ومستوى الاستعداد الدولي لمواجهتها.
ويبرز خطر الحرب واسعة النطاق بوصفه أحد أكثر التحولات اللافتة في تصورات المخاطر خلال المرحلة الراهنة؛ إذ قال 36 في المائة من المشاركين إنهم يتوقعون وقوعها خلال عام واحد، في مؤشر يعكس ارتفاع الإحساس بقرب المخاطر الجيوسياسية مقارنة بالفترة السابقة.
ولا يقف التحول عند احتمال الحرب، إذ أظهر التقرير انتقال المخاطر السياسية إلى مركز المشهد العالمي، بالتزامن مع تصاعد القلق من التوترات الجيوسياسية وتآكل سيادة القانون والمخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات المتقدمة، بما فيها احتمال تركز القوة في أيدي جهات تكنولوجية محدودة.
وفي المقابل، شهدت بعض المخاطر التي تصدرت الاهتمام الدولي خلال السنوات السابقة تراجعاً في ترتيبها ضمن سلم التصورات. فبعد ست سنوات على جائحة كوفيد-19، تراجعت الأهمية المتصورة للمخاطر البيولوجية والأوبئة الجديدة بدرجة تفوق مختلف المخاطر الأخرى التي شملها القياس.
غير أن هذا التحول في سلم الأولويات لا يعني أن المخاطر البيئية فقدت وزنها. فقد ظل التقاعس عن مواجهة تغير المناخ أهم المخاطر الـ28 التي شملها التقرير، حتى مع تسجيل انخفاض طفيف في الأهمية التي يمنحها المشاركون للمخاطر البيئية باعتبارها فئة عامة.
وتكشف نتائج التقرير، في المقابل، عن اتساع دائرة القلق من الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة، حيث ارتفعت المخاوف المتعلقة بتأثيراتها وبإمكان تركّز السلطة المرتبطة بها. ويأتي ذلك في سياق عالمي تتداخل فيه التحولات التكنولوجية مع الاقتصاد والسياسة والمجال الاجتماعي، بما يجعل التكنولوجيا نفسها جزءاً من خريطة المخاطر الجديدة.
ويشير التقرير إلى أن المخاطر العالمية لا تعمل في جزر منفصلة، وإنما تتفاعل وتتغذى من بعضها البعض. فالتوترات الجيوسياسية يمكن أن تتفاقم بفعل التفكك الاقتصادي، وضعف المؤسسات، والمعلومات المضللة، والضغط المتزايد على الموارد، فيما يمكن للأزمات المتداخلة أن تضاعف آثار أي صدمة جديدة وتحد من قدرة الدول والمؤسسات على احتوائها.
وتبرز هذه العلاقة بصورة خاصة في مسألة تغير المناخ والموارد الطبيعية؛ إذ يحذر التقرير من أن تراجع الاهتمام النسبي بالمخاطر البيئية في بعض التصنيفات لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تراجعاً في خطورتها الفعلية، وإنما كتغير في طريقة إدراكها وترتيبها ضمن أولويات صناع القرار والمجتمعات.
كما تكشف نتائج الاستطلاع عن أزمة في القدرة الدولية على إدارة المخاطر، في ظل ما يصفه التقرير بتعقيد المشهد العالمي وتعدد مصادر الخطر وتشابكها. ويبرز ضعف الحوكمة، وغياب التوافق السياسي، وتراجع الثقة، وسوء ترتيب الأولويات، ضمن أبرز العوائق أمام بناء استجابات فعالة.
وفي السياق ذاته، أظهرت نتائج الاستطلاع أن العمل المشترك بين الحكومات ما يزال يُنظر إليه باعتباره الوسيلة الأكثر فعالية للتعامل مع المخاطر العالمية، وهو استنتاج يضع التعاون الدولي في مواجهة واقع تتزايد فيه التوترات والانقسامات وتتعاظم فيه صعوبة بناء استجابات جماعية.
وتكتسب هذه الخلاصة أهمية إضافية لأن التقرير لا يتعامل مع تصورات المخاطر باعتبارها مجرد انطباعات عابرة، وإنما باعتبارها عاملاً يمكن أن يؤثر في القرارات السياسية وفي توجيه الموارد وفي تحديد الأولويات الدولية. ومن ثم فإن الطريقة التي يرى بها العالم مصادر الخطر قد تصبح، في حد ذاتها، جزءاً من كيفية الاستعداد للأزمات أو الإخفاق في احتوائها.
وفي رسالته التقديمية للتقرير، شدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على أن المعطيات ينبغي أن تسهم في توجيه الخيارات، داعياً إلى التحرك ما دام التعاون الدولي قادراً على فتح مسار أكثر أمناً للأجيال الحالية والمقبلة.
ويضع تقرير 2026 العالم أمام مفارقة واضحة: كلما ازدادت المخاطر ترابطاً وتعقيداً، ازدادت الحاجة إلى قدرة جماعية على إدارتها، في وقت تتقدم فيه التوترات الجيوسياسية والحرب المحتملة والمنافسة التكنولوجية إلى الواجهة. وفي المقابل، تظل أزمات المناخ والموارد والتدهور البيئي حاضرة في قلب المشهد، حتى عندما تتراجع في ترتيب الانتباه العام.
وهكذا، لا يرسم التقرير خريطة لخطر واحد، بقدر ما يكشف عن منظومة مخاطر متداخلة يتقاطع فيها الجيوسياسي بالبيئي، والتكنولوجي بالاقتصادي، وضعف المؤسسات بقدرة المجتمع الدولي على الوقاية والاستجابة؛ وهي منظومة تجعل التعاون الدولي، وفق خلاصة التقرير، عنصراً مركزياً في الحد من تحول المخاطر المتراكمة إلى أزمات أوسع.

405 ملايين أورو من البنك الإفريقي للتنمية للمغرب.. تمويل مزدوج للسكك الحديدية والرأسمال البشري
محمد الناصر شيخاوي:”شوبان” شاعر البيانو الحزين
جرائد جزائرية: قيود جديدة تربك سفر الجزائريين إلى المغرب.. بطاقة الإقامة تتحول إلى شرط للصعود
هيئة مغربية ترفض رفع التمثيل مع إسرائيل وتطالب بوقف مسار التطبيع