كش بريس/خاص ـ في وقت تتزايد فيه أهمية البيانات الاقتصادية الدقيقة باعتبارها إحدى ركائز اتخاذ القرار وصياغة السياسات العمومية، عزز المغرب موقعه ضمن النخبة الإحصائية الإفريقية، بعد أن نال اعترافاً دولياً جديداً من منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية باعتباره واحداً من أكثر البلدان الإفريقية جاهزية لقياس وتتبع الأثر الحقيقي للاستثمارات على الاقتصاد الوطني.
ففي ورقة عمل حديثة أصدرها مركز التنمية التابع لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، خصصت لتقييم جاهزية 18 دولة إفريقية لاعتماد إطار المدخلات والمخرجات الدولية في تحليل أثر الاستثمار، برز المغرب كحالة متقدمة على المستوى القاري، بفضل جودة منظومته الإحصائية وتراكم بياناته الاقتصادية وفق المعايير الدولية المعتمدة.
المغرب ضمن دائرة الدول المرجعية
وأكد التقرير أن المملكة تُعد من بين عدد محدود جداً من الدول الإفريقية التي استوفت بشكل كامل الشروط التقنية والإحصائية المطلوبة للاندماج في قاعدة بيانات المدخلات والمخرجات الدولية (ICIO)، وهي المنصة التي تعتمدها المنظمة لرصد الترابطات الاقتصادية وسلاسل القيمة بين القطاعات والدول.
هذا التميز مكّن المغرب من الالتحاق بالمجموعة الأولى المرشحة للاستفادة من مشروع “منصة الاستثمار الافتراضية لإفريقيا” (AVIP)، الذي أطلق بشراكة بين مفوضية الاتحاد الإفريقي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بهدف تطوير أدوات أكثر دقة لقياس أثر الاستثمارات وتعزيز الشفافية الاقتصادية داخل القارة.
كما أن المغرب مدرج بالفعل ضمن أحدث النسخ المعتمدة لقواعد البيانات الدولية الخاصة بالمدخلات والمخرجات والتجارة في القيمة المضافة، وهو ما يعكس مستوى متقدماً من التكامل مع المنظومات الإحصائية العالمية.
منظومة بيانات تستجيب للمعايير الدولية
وأبرز التقرير أن قوة النموذج المغربي لا ترتبط فقط بتوفر البيانات، بل أيضاً بجودتها واستمراريتها الزمنية. فقد نجحت المملكة في استيفاء جميع معايير الجودة الإحصائية الإلزامية التي وضعتها المنظمة الدولية، محققة العلامة الكاملة في مختلف المؤشرات المعتمدة.
وسجلت الوثيقة توفر سلاسل زمنية طويلة ومتكاملة للحسابات الوطنية وفق أحدث المعايير الدولية، تغطي ما يقارب ثلاثة عقود من المعطيات الاقتصادية الممتدة من منتصف تسعينيات القرن الماضي إلى السنوات الأخيرة.
كما أشادت المنظمة بانتظام تحديث جداول العرض والاستخدام الاقتصادية، التي تشكل إحدى الأدوات الأساسية لفهم تدفقات الإنتاج والاستهلاك داخل الاقتصاد الوطني، مع تغطية متواصلة دون انقطاع تمتد لأكثر من عقدين.
قدرة أكبر على قراءة الاقتصاد الحقيقي
ومن بين العناصر التي عززت تصنيف المغرب، توفره على قاعدة بيانات واسعة للتجارة الخارجية، إضافة إلى نظام تصنيف اقتصادي متوافق مع المعايير الدولية، يغطي مختلف الأنشطة الإنتاجية والخدمية.
وتتيح هذه البنية المعلوماتية المتقدمة إمكانية تحليل الأثر الفعلي للاستثمارات على الاقتصاد بشكل أكثر دقة، سواء من حيث مساهمتها في خلق القيمة المضافة، أو تأثيرها على سوق الشغل، أو حجم اندماجها في سلاسل الإنتاج المحلية والدولية.
كما تمنح صناع القرار والمؤسسات الدولية أدوات أكثر تطوراً لتتبع الروابط الاقتصادية بين القطاعات، وقياس وزن الخدمات في الصادرات، وتحديد حصة القيمة المضافة الوطنية والأجنبية في النمو الاقتصادي.
من مستفيد إلى شريك في نقل الخبرة
ولم يقتصر التقرير على إبراز جاهزية المغرب التقنية، بل اعتبره مؤهلاً للعب دور محوري في مواكبة الدول الإفريقية الأخرى الساعية إلى تطوير قدراتها الإحصائية.
فبحكم توفره على منظومة بيانات متقدمة، بات المغرب مرشحاً لقيادة برامج للتعلم المتبادل وتبادل الخبرات بين المؤسسات الإحصائية الإفريقية، من أجل دعم البلدان التي لا تزال تواجه صعوبات في بناء قواعد بيانات اقتصادية متكاملة أو إعداد جداول المدخلات والمخرجات وفق المعايير الدولية.
فجوة إفريقية وتفوق مغربي
ورغم التقدم المسجل في عدد من الاقتصادات الإفريقية، كشف التقرير عن استمرار تفاوتات كبيرة بين دول القارة في ما يتعلق بجودة البيانات الاقتصادية وإمكانية توظيفها في تقييم أثر الاستثمار.
وفي هذا السياق، برزت سبع دول فقط، من بينها المغرب، باعتبارها الأكثر استعداداً لاعتماد النماذج الدولية الحديثة لقياس العوائد الاقتصادية للاستثمارات وتتبع سلاسل القيمة العابرة للحدود.
ويعكس هذا التصنيف المكانة المتنامية التي بات يحتلها المغرب داخل المشهد الاقتصادي الإفريقي، ليس فقط كوجهة للاستثمار أو كفاعل اقتصادي إقليمي، بل أيضاً كمرجع في مجال إنتاج المعرفة الإحصائية وتطوير أدوات قياس الأداء الاقتصادي. فبينما لا تزال العديد من الدول تعمل على سد فجواتها المعلوماتية، يواصل المغرب ترسيخ حضوره ضمن الدول القادرة على تحويل البيانات إلى قوة استراتيجية تخدم التنمية وصناعة القرار.

40 مليار درهم من مغاربة العالم تدعم التوازنات المالية للمملكة
تقرير رسمي يرصد تفاعل أسعار الوقود بالمغرب مع ارتفاعات النفط العالمية
جليل طليمات: المفكر إدغار موران.. رحل مهجوسا بسؤال ” إصلاح الحياة “