تقرير لليونسكو: المغرب يقلص بشكل كبير أعداد غير المتمدرسين.. لكن التكرار والفوارق المجالية يعرقلان استكمال المسار الدراسي

كش بريس/خاص ـ

أظهر تقرير الرصد العالمي للتعليم 2026 الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» أن المغرب حقق خلال العقدين الماضيين تقدماً لافتاً في توسيع فرص الولوج إلى التعليم، غير أن هذا التقدم ما يزال يصطدم بتحديات مرتبطة بالتكرار الدراسي، والهدر المدرسي، والتفاوتات المجالية والاجتماعية، بما يحد من قدرة المنظومة التعليمية على ضمان مسارات دراسية مستقرة ومنتظمة.

وأوضح التقرير، الذي يحمل عنوان «الولوج والإنصاف.. العد التنازلي إلى 2030»، أن نسبة المراهقين في سن التعليم الثانوي الإعدادي خارج المدرسة تراجعت بالمغرب من 42 في المائة سنة 2000 إلى 6 في المائة سنة 2023، بينما انخفضت النسبة لدى الشباب في سن التعليم الثانوي التأهيلي من 63 في المائة إلى 23 في المائة خلال الفترة نفسها.

وبالتوازي مع ذلك، تقلص عدد المراهقين والشباب خارج المدرسة من أكثر من مليوني شخص سنة 2000 إلى حوالي 570 ألفاً سنة 2023، أي بانخفاض يقارب 72 في المائة. وبذلك انتقل المغرب من مستويات لعدم التمدرس كانت تفوق متوسط البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى إلى مستويات تقترب من متوسط البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى.

من توسيع الولوج إلى معركة الاستمرار

ورغم هذا التحسن، تنبه اليونسكو إلى أن ارتفاع معدلات الالتحاق بالمدرسة لا يعني بالضرورة نجاح التلاميذ في إكمال مسارهم الدراسي دون تعثر. ويظل التكرار الدراسي أحد أبرز العوامل التي تكشف الفجوة بين دخول المدرسة والقدرة على الاستمرار فيها والانتقال بين مستوياتها في الوقت المناسب.

فقد انخفض معدل التكرار في التعليم الابتدائي من 13 في المائة سنة 2000 إلى 7 في المائة سنة 2024، بينما اتخذ الوضع في التعليم الثانوي مساراً أكثر تعقيداً؛ إذ ارتفع معدل التكرار في السلك الإعدادي بعد سنة 2015 ليصل إلى 23 في المائة سنة 2019، قبل أن يسجل التعليم الثانوي التأهيلي تراجعاً إلى 11 في المائة سنة 2024.

وتخلص اليونسكو من هذه المعطيات إلى أن توسيع قاعدة المتمدرسين لا يكفي وحده لقياس نجاح الإصلاح، ما دام جزء من التلاميذ يواجه خطر التأخر الدراسي أو الانقطاع قبل استكمال المسار التعليمي.

مضاعفة المؤسسات التعليمية

ويربط التقرير جانباً مهماً من التحسن الذي حققه المغرب بتوسيع البنية التحتية التعليمية، خصوصاً في التعليم الثانوي.

فقد ارتفع عدد مؤسسات التعليم الثانوي الإعدادي من 941 مؤسسة خلال الموسم الدراسي 1999-2000 إلى 2024 مؤسسة خلال 2023-2024، بينما انتقل عدد مؤسسات التعليم الثانوي التأهيلي من 537 إلى 1505 مؤسسات خلال الفترة نفسها.

وساهم هذا التوسع، وفق التقرير، في تقليص أثر المسافة كعائق أمام التمدرس، إلى جانب برامج الدعم الاجتماعي والمالي الموجهة إلى الأسر والتلاميذ.

كما سجل المغرب، بحسب المعطيات الواردة في التقرير، تعميم التعليم الابتدائي في أواخر العقد الثاني من الألفية، بالتزامن مع توسع الالتحاق بالتعليم الثانوي.

وفي السلك الإعدادي، ارتفعت نسبة الالتحاق بالسنة الأولى لدى الفئة العمرية المستهدفة من 50 في المائة سنة 2000 إلى 90 في المائة سنة 2024، فيما ارتفع عدد الملتحقين الجدد من 330 ألفاً إلى 610 آلاف تلميذ.

أما في التعليم الثانوي التأهيلي، فقد ارتفعت نسبة الالتحاق بالسنة الأولى من 20 في المائة سنة 2000 إلى 50 في المائة سنة 2020، مع ارتفاع عدد الملتحقين الجدد من 145 ألفاً إلى 315 ألفاً.

ويربط التقرير جانباً من هذا التطور بتحسن الانتقال من التعليم الثانوي الإعدادي إلى التأهيلي، حيث ارتفعت النسبة من 57 في المائة خلال الموسم الدراسي 2009-2010 إلى 67 في المائة خلال الموسم 2019-2020، استناداً إلى معطيات المندوبية السامية للتخطيط.

الدعم الاجتماعي في مواجهة كلفة التمدرس

ولم يغفل التقرير الضغط المالي الذي تتحمله الأسر، مشيراً إلى ارتفاع حصة التعليم من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي للأسر من 1.6 في المائة سنة 2001 إلى 3.7 في المائة سنة 2014.

ويرتبط جانب من هذا الارتفاع بتوسع التعليم الخاص، إذ ارتفعت حصته من مجموع تلاميذ التعليم الثانوي الإعدادي من 2 في المائة خلال الموسم 2003-2004 إلى 11 في المائة خلال 2023-2024، ومن 4 إلى 12 في المائة في التعليم الثانوي التأهيلي.

وقدّر التقرير متوسط الكلفة السنوية لتعليم التلميذ في المرحلة الثانوية بنحو 3412 درهماً خلال الموسم الدراسي 2019-2020.

وفي المقابل، ساهم انخفاض معدل الفقر من 15.5 في المائة سنة 2001 إلى 4.8 في المائة سنة 2013 في تخفيف بعض الحواجز المالية التي تواجه الأسر في استمرار أبنائها في الدراسة.

وتوقف التقرير عند برنامج «تيسير» للتحويلات النقدية، الذي أطلق بشكل تجريبي سنة 2008، قبل أن يتوسع تدريجياً ليشمل التعليم الثانوي الإعدادي ومناطق إضافية. وبلغ عدد المستفيدين من المنح المالية، وفق التقرير، حوالي 3.1 ملايين تلميذ سنة 2025.

كما أشار إلى التحول الذي أقره القانون رقم 58.23 لسنة 2023 نحو نظام أكثر استهدافاً للدعم الاجتماعي، يعتمد التسجيل في السجل الاجتماعي الموحد.

النقل والإيواء.. محاولة لتجاوز جغرافيا التفاوت

ويبرز التقرير كذلك توسع خدمات النقل المدرسي، خاصة في الوسط القروي، حيث بلغ عدد المستفيدين في التعليم الثانوي التأهيلي حوالي 111 ألف تلميذ خلال الموسم الدراسي 2023-2024، كان 75 في المائة منهم من الوسط القروي.

كما ارتفع عدد الداخليات العمومية المخصصة للتعليم الثانوي التأهيلي والمجهزة بمطاعم من 246 خلال الموسم 2010-2011 إلى 477 خلال 2023-2024، فيما ارتفع عدد الداخليات القروية من 60 إلى 226.

ويرى التقرير أن هذه التدابير تستهدف معالجة أحد أكثر العوامل تأثيراً في التمدرس بالعالم القروي، والمتمثل في بُعد المؤسسات التعليمية وصعوبة الوصول إليها، إلى جانب مراعاة الوضع الاجتماعي والاقتصادي والإعاقة والمسافة في الاستفادة من بعض أشكال الدعم والإيواء.

«الفرصة الثانية» لإعادة المنقطعين إلى المسار

وفي مواجهة الانقطاع عن الدراسة، رصد التقرير توجه المغرب نحو اعتماد آليات للإنذار المبكر تستفيد من بيانات منظومة «مسار» ومن وحدات التتبع النفسي والتربوي، بهدف تحديد التلاميذ المهددين بالانقطاع والتدخل قبل مغادرتهم المدرسة.

كما سلط الضوء على مدارس الفرصة الثانية باعتبارها مساراً لإعادة إدماج المنقطعين، من خلال الجمع بين التعليم الأساسي والتكوين المهني.

وبحسب التقرير، أعادت برامج إعادة الإدماج خلال الموسم الدراسي 2011-2012 حوالي 40 ألف طفل وشاب إلى الدراسة، بينما تضم شبكة مدارس الفرصة الثانية، وفق المعطيات الواردة في التقرير، 238 مركزاً تستهدف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و20 سنة.

وخلال الموسم الدراسي 2024-2025، استفاد من هذه المراكز نحو 18 ألف شخص، تمكن 72 في المائة منهم من الاندماج في مسارات تعليمية أو مهنية؛ فعاد 16 في المائة إلى التعليم النظامي، والتحق 21 في المائة بالتكوين المهني، بينما اندمج 35 في المائة في سوق العمل.

«مؤسسات الريادة».. الإصلاح ينتقل إلى داخل الفصل

وفي ما يتعلق بجودة التعلمات، توقف التقرير عند برنامج «مؤسسات الريادة» الذي انطلق خلال الموسم الدراسي 2023-2024، بهدف تشخيص صعوبات التعلم في وقت مبكر وتوجيه الدعم التربوي وفق حاجات التلاميذ.

وامتد البرنامج خلال الموسم 2024-2025 إلى 232 مؤسسة للتعليم الثانوي الإعدادي، قبل أن يصل خلال الموسم 2025-2026 إلى 500 مؤسسة، بما يقارب 30 في المائة من تلاميذ هذا السلك، وفق أرقام التقرير.

ويقوم النموذج على تقسيم السنة الدراسية إلى ست فترات، وإجراء اختبارات لتحديد مستويات المتعلمين، وتشكيل مجموعات للدعم، مع اعتماد تقييمات دورية وإشراك الأسر في تتبع النتائج.

غير أن التقرير ينبه إلى أن أثر هذه الإصلاحات في الحد من الانقطاع عن الدراسة لم يخضع بعد لتقييم نهائي، وهو ما يجعل الحكم على فعاليتها الكاملة سابقاً لأوانه.

الولوج تحقق.. لكن الإنصاف لم يُحسم بعد

وتقود مجمل هذه المعطيات إلى خلاصة أساسية في تقرير اليونسكو: المغرب نجح بدرجة كبيرة في فتح أبواب المدرسة أمام أعداد واسعة من الأطفال والمراهقين والشباب، لكنه يواجه الآن تحدياً أكثر تعقيداً يتمثل في ضمان بقائهم داخل المنظومة التعليمية، وانتقالهم المنتظم بين مستوياتها، وتحقيق تعلم فعلي يحد من مخاطر التكرار والانقطاع.

وتحذر المنظمة من أن التوسع السريع في الالتحاق قد يرفع، في بعض الحالات، الضغط على المؤسسات والأقسام ويزيد من معدلات التكرار، خصوصاً في التعليم الثانوي الإعدادي، في وقت لا تزال فيه الفوارق الجهوية والاجتماعية والمجالية حاضرة في مسألة الانقطاع عن الدراسة.

وبذلك، فإن التحدي المغربي في المرحلة المقبلة لم يعد مرتبطاً فقط بعدد الأطفال الذين يدخلون المدرسة، وإنما بعدد الذين يستطيعون البقاء فيها، والتقدم داخلها، وإتمام مسارهم بنجاح.

ويشكل تقرير الرصد العالمي للتعليم 2026 الحلقة الأولى من سلسلة تقارير ثلاثية حول التقدم نحو أهداف التعليم في إطار أجندة التنمية المستدامة؛ على أن يركز تقرير 2027 على جودة التعليم والتعلم، فيما يتناول التقرير المقرر خلال 2028-2029 مدى ملاءمة التعليم وقدرته على إعداد المتعلمين لمواجهة التحولات والتحديات العالمية.

↑
Exit mobile version