كش بريس/التحرير ـ في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي تعيد رسم ملامح التعليم والمعرفة عبر العالم، دق المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي ناقوس التنبيه بشأن التوسع المتنامي لاستعمالات الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة التربوية المغربية، معتبراً أن هذا التحول لم يعد خياراً مؤجلاً أو موضوعاً مستقبلياً، بل واقعاً يومياً يفرض على المؤسسات العمومية الانتقال من موقع المتابع إلى موقع الفاعل المؤطر والموجّه.
وفي توصية صادقت عليها الجمعية العامة للمجلس خلال دورتها الثانية عشرة المنعقدة في 14 أبريل 2026، تحت عنوان «من أجل اعتماد إطار وطني لتوجيه استعمال الذكاء الاصطناعي في التربية والتكوين والبحث العلمي»، دعا المجلس إلى بلورة رؤية وطنية متكاملة تؤطر حضور هذه التقنيات داخل المدرسة والجامعة ومؤسسات التكوين، بما يضمن الاستفادة من إمكاناتها ويحد في الآن ذاته من مخاطرها التربوية والمعرفية والمجتمعية.
وسجل المجلس أن الذكاء الاصطناعي تجاوز مرحلة كونه مجرد أداة رقمية مساعدة، ليصبح فاعلاً مؤثراً في طرائق اكتساب المعرفة وإنتاجها وتداولها، خاصة مع الانتشار الواسع للتطبيقات الذكية والمنصات الرقمية ومحركات البحث التوليدية التي باتت جزءاً من الحياة اليومية للأطفال واليافعين والشباب.
وأشار التقرير إلى أن أجيالاً كاملة تتفاعل بشكل مستمر مع أنظمة قائمة على الذكاء الاصطناعي، غالباً دون إدراك لطبيعة هذه الأدوات أو حدودها أو الآثار التي يمكن أن تتركها على مسارات التعلم وبناء التفكير. وهو ما يجعل من الاستعمالات الحالية ظاهرة بنيوية مرشحة للتوسع أكثر من كونها مجرد ممارسات ظرفية مرتبطة بالتطور التكنولوجي.
وأوضح المجلس أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بدأت تفرض حضورها داخل الفضاءات التعليمية، سواء عبر توظيفها من طرف المتعلمين في البحث وإنجاز المهام الدراسية، أو من خلال اعتمادها من قبل المدرسين في إعداد المضامين والموارد البيداغوجية. واعتبر أن هذا الواقع يقتضي الانتقال من منطق التمكين التقني إلى منطق التأطير التربوي المسؤول.
وفي تشخيصه للوضع الراهن، حذر المجلس من اتساع الهوة بين سرعة انتشار هذه الأدوات وبين غياب إطار مؤسساتي واضح يحدد شروط استخدامها ويضبط آثارها على التعلمات وعلى تنمية القدرات الذهنية والمعرفية للمتعلمين، معتبراً أن ترك المجال للتطور العفوي قد يفضي إلى ممارسات يصعب تصحيحها مستقبلاً.
كما نبه إلى أن الاستعمال غير المنظم للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تعميق الفوارق القائمة بين المتعلمين والمؤسسات التعليمية، في ظل التفاوتات المسجلة في الولوج إلى التكنولوجيا والبنيات التحتية الرقمية، بما قد يحول هذه الأدوات من رافعة للإنصاف إلى عامل إضافي لإعادة إنتاج اللامساواة.
ورغم هذه التحفظات، أكد المجلس أن الذكاء الاصطناعي يتيح إمكانات واعدة لتطوير التعليم، من خلال تنويع المقاربات البيداغوجية، وتعزيز التعلم الذاتي، وتفريد المسارات الدراسية، وتحسين آليات التقييم والتتبع، فضلاً عن دعم اتخاذ القرار التربوي عبر الاستفادة من المعطيات والبيانات التعليمية.
وشدد التقرير على أن تحقيق هذه المكاسب يظل رهيناً بوجود استراتيجية وطنية مندمجة تجعل الذكاء الاصطناعي في خدمة التعلم وبناء الكفايات، لا بديلاً عن الجهد الذهني أو عن الأدوار الأساسية التي تضطلع بها المدرسة والمدرس في التنشئة المعرفية والتربوية.
وفي ما يتعلق بالرهانات البيداغوجية، حذر المجلس من مخاطر الاعتماد المبكر وغير المؤطر على هذه الأدوات، لما قد يترتب عنه من إضعاف لبعض العمليات الذهنية الأساسية المرتبطة بالتحليل والاستنتاج والتجريب وحل المشكلات، فضلاً عن تأثيراته المحتملة على اكتساب مهارات القراءة والكتابة والحساب والتفكير المنطقي إذا تحول إلى مصدر جاهز للإجابات بدل أن يكون وسيلة مساعدة على التعلم.
ودعا إلى اعتماد مقاربة متدرجة تراعي خصوصية كل مرحلة تعليمية، تقوم على الحماية وبناء الأسس المعرفية في التعليم الابتدائي، وتنمية التفكير النقدي وفهم حدود التكنولوجيا في التعليم الثانوي، ودعم البحث العلمي وصيانة النزاهة الأكاديمية في التعليم العالي، مع مواكبة التحولات المهنية والتكنولوجية داخل منظومة التكوين المهني.
كما أكد المجلس أن المدرس ينبغي أن يظل في قلب العملية التعليمية، باعتباره موجهاً ومؤطراً لبناء المعنى وتنمية الحس النقدي لدى المتعلمين، داعياً إلى تمكين هؤلاء من استعمال واع ومسؤول للذكاء الاصطناعي يجعلهم شركاء في إنتاج المعرفة لا مجرد مستهلكين لمخرجات جاهزة.
وفي سياق إصلاح المنظومة التعليمية، شدد التقرير على ضرورة مواءمة إدماج الذكاء الاصطناعي مع أهداف الرؤية الاستراتيجية للإصلاح والقانون الإطار 51.17، وخاصة في ما يتعلق بتطوير المناهج وتجديد أساليب التقويم والتعلم، بما يضمن انسجام التحول الرقمي مع التحول البيداغوجي المنشود.
كما توقف عند رهانات السيادة الرقمية والعدالة اللغوية، محذراً من هيمنة لغات بعينها على بيئات تطوير الذكاء الاصطناعي وما قد يترتب عن ذلك من تراجع حضور اللغتين العربية والأمازيغية داخل الفضاء الرقمي والتعليمي، داعياً إلى حماية التنوع الثقافي واللغوي الوطني.
وفي الجانب المتعلق بحماية المعطيات، نبه المجلس إلى حساسية البيانات التعليمية التي تتصل بمسارات المتعلمين وقدراتهم وصعوباتهم، مؤكداً ضرورة التحكم الوطني في إنتاج هذه البيانات وتخزينها واستعمالها، والحد من التبعية المتزايدة للمنصات الخارجية.
وأوصى المجلس بإحداث إطار وطني مؤسساتي وتنظيمي خاص بالذكاء الاصطناعي في مجالات التربية والتكوين والبحث العلمي، إلى جانب إنشاء هيئة وطنية تتولى التنسيق والتتبع والتقييم، بما يضمن انسجام السياسات العمومية وحسن توجيه الاستثمارات والبرامج المرتبطة بهذا المجال.
كما دعا إلى تنظيم سوق الحلول التعليمية الرقمية ووضع معايير واضحة لاعتماد الأدوات والمنصات المستعملة داخل المؤسسات التعليمية، وفق ضوابط ترتبط بالجودة البيداغوجية وحماية المعطيات واحترام القيم الوطنية.
واعتبر المجلس أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على المدرسة وحدها، بل يستدعي انخراط الأسرة ووسائل الإعلام والفاعلين الثقافيين والمجتمع المدني، داعياً إلى نشر الوعي الرقمي وإشراك المتعلمين أنفسهم في النقاش العمومي حول مستقبل هذه التقنيات.
وخلص المجلس إلى أن المغرب يقف اليوم أمام منعطف تربوي حاسم، حيث تتقاطع الفرص الكبرى التي يتيحها الذكاء الاصطناعي مع تحديات لا تقل أهمية. ورأى أن الرهان الحقيقي لا يكمن في مقاومة هذه التكنولوجيا أو الارتهان لإغراءاتها، بل في امتلاك القدرة على توجيهها ضمن مشروع وطني يجعل من الابتكار أداة للارتقاء بالتعليم، ومن السيادة الرقمية ركيزة لحماية المعرفة والهوية وتكافؤ الفرص بين جميع المتعلمين.

د منصور مالك (لندن): الذكاء الاصطناعي، الروبوتات، والعصر الروحي الأخير
جدل حقوقي حول استعمال أجهزة كشف الغش داخل قاعات الامتحان
مطالب بتشديد العقوبات وحماية الضحايا في ملف الاستغلال الجنسي للقاصرات