
كش بريس/التحرير ـ في لحظة إقليمية تتسم بإعادة ترتيب الأوراق تحت ضغط التحولات الدولية، عاد ملف الصحراء المغربية إلى واجهة الدبلوماسية عبر اجتماع احتضنته مدريد هذا الشهر، وجمع مسؤولين من المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، بإشراف الولايات المتحدة الأمريكية. اللقاء، الذي تناول مقترح الحكم الذاتي المغربي، كشف – وفق ما أوردته مجلة جون أفريك – عن استمرار نقاط توتر عميقة رغم انخراط الأطراف في مسار تفاوضي جديد.
تراجع خيار الاستفتاء… وتحول في مرجعية التفاوض
مدير تحرير المجلة، فرانسوا سودان، أوضح في تصريح لإذاعة إذاعة فرنسا الدولية أن جوهر المسار التفاوضي الجاري تحت الرعاية الأمريكية يتمثل في التخلي الضمني عن خيار استفتاء تقرير المصير. وبحسب القراءة التي قدمها، فإن خيار الاستقلال لم يعد مطروحاً كما كان في السابق، خصوصاً بعد اعتماد القرار 2797 للأمم المتحدة في أكتوبر 2025، الذي أعاد توجيه النقاش نحو مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
هذا التحول يعكس – سياسياً – انتقالاً من منطق تصفية النزاع عبر استفتاء ثنائي النتيجة، إلى منطق تدبيره ضمن صيغة حكم ذاتي موسع، وهو ما ينسجم مع توازنات دولية باتت تميل إلى حلول الاستقرار الواقعي بدل الرهانات القصوى.
مضمون الخطة: حكم ذاتي داخلي ومصالحة مشروطة
النص المسرّب، وفق المجلة، يستند إلى نموذج الحكم الذاتي الداخلي الكلاسيكي: صلاحيات واسعة للجهة في القضايا المحلية، مقابل احتفاظ الدولة بالاختصاصات السيادية. ويتضمن المقترح إنشاء جمعية منتخبة، وترتيبات مؤسساتية واضحة، إضافة إلى بعد تصالحي يشمل عفواً عن قادة البوليساريو وتنظيم عودة اللاجئين من مخيمات تندوف.
غير أن الخطة ما تزال في طور المشروع، ولم تتحول بعد إلى أرضية توافقية نهائية، إذ تعترضها خلافات جوهرية.
نقاط الخلاف: التمثيلية والشرعية الانتخابية
من أبرز القضايا العالقة طريقة تعيين رئيس السلطة التنفيذية المحلية، حيث ينص المشروع على تعيينه من قبل العاهل المغربي، بينما تفضل الجزائر والبوليساريو أن يتم اختياره عبر الاقتراع. كما يبرز خلاف آخر حول الهيئة الناخبة، إذ يدفع الطرفان إلى قصر الاستفتاء على الصحراويين، في حين يقترح النص إشراك جميع الناخبين المغاربة.
هذه النقاط تعكس جوهر الصراع: من يملك شرعية التمثيل؟ ومن يحدد حدود الجسد الانتخابي؟ وهي أسئلة سياسية أكثر منها تقنية، لأنها تمس مفهوم السيادة ذاته.
الجزائر بين ضغط الخارج وحسابات الداخل
تشير “جون أفريك” إلى أن قبول الجزائر الجلوس إلى طاولة مدريد تحت إشراف أمريكي، ودخولها في نقاش حول الخطة المغربية، يمثل تحولاً لافتاً في تموقعها الدبلوماسي. واعتبر فرانسوا سودان أن هذا القبول جاء في سياق ضغط دبلوماسي ونفسي أمريكي، مضيفاً أن القيادة الجزائرية، وعلى رأسها الرئيس عبد المجيد تبون، قد تجد نفسها أمام تحدي تبرير هذا التحول للرأي العام الداخلي.
من منظور تحليلي، يمكن قراءة هذا الانخراط الجزائري باعتباره محاولة للخروج من حالة عزلة نسبية في المشهد الدبلوماسي، مقابل كلفة سياسية داخلية محتملة، خاصة إذا فُسّر المسار الجديد كتنازل عن ثوابت سابقة.
رهانات المرحلة المقبلة
من المرتقب عقد جولات إضافية قبل الاجتماع المقبل في مايو، الذي تأمل واشنطن أن يفضي إلى اتفاق إطار سياسي. غير أن نجاح هذا المسار سيظل رهيناً بقدرة الأطراف على إعادة تعريف خطوطها الحمراء، والانتقال من منطق إدارة النزاع إلى منطق تسويته.
في المحصلة، يبدو أن النقاش لم يعد يدور حول مبدأ الحل بقدر ما يتمحور حول شكل السيادة وحدودها. وبين ضغط الواقعية السياسية وإكراهات الشرعية الداخلية، تتحدد ملامح مرحلة جديدة قد تعيد صياغة توازنات المنطقة، إما نحو انفراج تدريجي، أو نحو إعادة إنتاج التوتر بصيغة مختلفة.





