‏آخر المستجداتلحظة تفكير

د ادريس هاني: ماذا يعني عام جديد من وجهة نظر أنطولوجية؟

يعيش الكائن المغلوب على أمره أنطولوجيا- أي سقط الدازاين(الهيدغيري) المقذوف به هناك، المتموجد، الكائن- وهْماً بالصيرورة الوجودية، يجد نفسه أمام هذا الصبيب الكرونولوجي، في وضعية ثبات قلق، يوحي لنفسه بأُنس الدخول في دورة زمنية جديدة والخروج من أخرى، بينما لا شأن لهذه الحركة بالتخارج الأنطولوجي المرتهن للحركة الجوهرية للنّفس. فالوجود الذي يتعذّر تعريفه بأي شيء غير الوجود، هو المعني بالصيرورة الحقّة التي يتحقق بها ارتقاء الكائن من حال في الوجود إلى حال آخر، يتم ذلك في الوجود وبالوجود وللوجود.

البحث عن التّفاؤلية والجِدّة في غير الحركة الجوهرية للنّفس، حيث ملامسة المراتب المتقدمة في الوجود بكمالات النّفس هو خدعة الدازاين نفسه إن شئت القول. فالعام الجديد هو تقويم غريغوري تزامني لا يفرض على الذات امتثالا أنطولوجيا، بل هو يجري خارج إنجازاتها ورغما عن إنسانيتها، زمن يتقوم به عالم البشر والحيوان والنبات والحجر سواء بسواء، أي زمن الحوليات التّاريخية لا الحوليات الأنطولوجية المفقودة في نظامنا التربوي وأرشيفنا الفلسفي. بينما العام الجديد الحقيقي أنطولوجيا من المفروض أن لا يتقوم بالزمن الغريغوري أو الهجري، بل بالإنجاز الوجودي وكمالات النّفس، ولعل من تجليات ذلك تحرر النفس من كلّ مثبطات الكمال، أعني الحقارة والحسد والنميمة والتّآمر والحقد والكراهية والعدوان وما شابه ذلك من مثبطات تحرر النّفس. وما لم تتحرر النفس لن يتحرر العقل التّأملي، وما لم تتطور النفس في الوجود لن تتطور المعرفة، باعتبار أن المعرفة الحقّة لا يمكنها أن تصدر إلاّ عن عقل تأمّلي نقي متحرر من عوائق المعرفة، وهذا يقتضي تربية أنطولوجية.

وعلى هذا الأساس ماذا نعني بالتربية الأنطولوجية؟

إننا نعني أن التحسيس بأهمية الوجود والوعي به، بما هو القضية الأساسية في تحديد ماهية الكائن بوصفه الأوعى من كل الكائنات بوجوده، يقتضي تربية أنطولوجية تُنتج كائن واعيا بوجوده، ومدركا لمسؤوليته تجاه هذا الوجود. وحيث أنّ هذه في حدّ ذاتها هي أزمة الميتافيزقا نفسها، باعتبار أن السؤال الأنطولوجي لا زال غير مُسْتَوعب في بيداغوجياتنا، بل حتى الدرس الفلسفي بات دراسا كئيبا يعتمد على الحافظة لا العقل التّأمّلي، نُعلِّم الناس أن يحفظوا سرديات فلسفية لا أن ينتجوا تأمّلا حقيقيا انطلاقا من خبرتهم الوجودية، فإن أزمة الوجود في حقلها الفلسفي تعاني أزمة حقيقية.

وهنا يأتي حقّ الطفولة في أن نحررها من هذا الباراديغم البيداغوجي، أن لا نفرض عليها في التمدرس شيئا قبل تدريبهم على حرّية التّأمّل والبوح بما يجود به فضولهم وخيالهم وإحساسهم قبل أن نضع لهم موازين للتفاعل لا للتلقين، فلنجرب أن نواكب الطفل منذ البداية بمنحه فرصة التفكير والتطور داخل هذا الحق، لأنّ اغتصاب الطفولة يبدأ من هنا، من فرض بيداغوجيا الاحتواء والسيطرة قبل أن يكتمل فضول الطفل ومنحه مشروعية التفكير لا التلقين، لا تلعموا الطفل شيئا في البداية، بل امنحوه فرصة أن يكتشف بأنّ التفكير هو امتداد للعب الجاد، اللعبة التي يفسدها الكبار بحصرها واحتوائها.

التحليل النفسي لامتهان الفلسفة اليوم يضعنا أمام هذه الثباتية التي تعود بنا إلى عصر اغتصاب الطفولة في فكرها وحرية ممارسة فضولها المعرفي الأوّل، يوجد في البيداغوجيا الفلسفية كل شيء يعزز ما سماه هيدغر بنسيان الوجود.

فاستمرار التآمر على الدماغ البشري يتجلّى في التّآمر على مصير الأنطولوجيا في هذا الامتهان الفلسفي الذي تحوّل إلى علوم اجتماعية، لن ولن تفيد في تجاوز الوضعية التي أطلقنا عليها منذ عقدين: الوضعية الأنطو-قياسية(onto- métrique).

إنّ الخطر الداهم اليوم والذي به تقاس جدّة الزمن الوجودي، هو الوضعية الأنطوقياسية، باعتبارها الزمن الذي بلغ ذروته مع عولمة كائن تنحصر همّته الأنطولوجية في كعكعة ونغمة وسكرة تفصل بين عامه القديم وعامه المستعاد، في عود أبدي مرتهن لهذا التكرار الذي يسم الكدورة الأنطولوجية.

أي عام جديد يا ترى، لكائن لم يبلغ ماهيته بوصفه، المفترض، كائنا واعيا بوجوده. والوعي بشأنية الوجود في النمو والكدورة، هو فرع لهذا الوعي الذي تتقوم به ماهية الكائن. عند كل عام جديد يتعين مراقبة مدى قدرة الكائن على أن يمسك بإنسانيته، باعتبار الإنسانية متقومة بهذا الإدراك الوجودي. يمكن للهندسة الطبية أن تتطور اليوم، وسيكون حدثا عظيما، أن نتحدث يوما عن قدرة الطب الحديث على تغيير النوع، حينئذ سنتصالح مع الماهية الجديدة ونُعفى من مسؤولية الوعي بالوجود الذي يفرض مسؤولية ثقيلة على كائن، يحتفي بالجديد في صيرورة الزمن لا صيرورة الوجود. وعليه، الأَوْلَى أن يقال عند كل عام غريغوري جديد: حظّ أنطولوجيّ سعيد.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button