إنها لحظة سياسية غير مسبوقة في تاريخ المغرب؛ أول رئيسة حكومة في تاريخ المملكة. يتعلق الأمر بالسيدة فاطمة الزهراء المنصوري، التي عيّنها الملك محمد السادس رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تشغل فيه منصب منسقة القيادة الجماعية، نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة بحصوله على 97 مقعدا من أصل 395 مقعداً بمجلس النواب.
وهذه ليست مجرد واقعة تتعلق بتغيير اسم في رئاسة الحكومة، بل حدث يحمل دلالات سياسية ورمزية متعددة. فالمغرب، الذي ظل يتناوب على رئاسة حكوماته رجال من خلفيات سياسية وفكرية مختلفة، يدخل اليوم تجربة جديدة مع امرأة في موقع سياسي بالغ الحساسية والمسؤولية. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: كيف وصلت امرأة إلى رئاسة الحكومة؟ وإنما أيضا: ماذا يمكن أن تضيف هذه التجربة إلى الحياة السياسية المغربية؟
فاطمة الزهراء المنصوري سياسية ومحامية مغربية، شغلت منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة بين 2021 و2026. وهي حاصلة على تكوين في القانون الخاص وقانون الأعمال، كما راكمت تجربة مهنية في المحاماة بهيئة مراكش منذ 2005. ودخلت المجال السياسي في وقت مبكر، وارتبط اسمها بحركة لكل الديمقراطيين، ثم بحزب الأصالة والمعاصرة منذ تأسيسه سنة 2008. انتُخبت عضوا في مجلس النواب، كما ترأست المجلس الوطني للحزب، وتتولى رئاسة المجلس الجماعي لمراكش. ومنذ سنة 2024 أصبحت منسقة للقيادة الجماعية للحزب. كما سبق لمجلة فوربس أن اختارتها سنة 2014 ضمن قائمة النساء الشابات الأكثر تأثيرا في إفريقيا.
لكن تعيينها يأتي في سياق سياسي لا يخلو من المفارقات. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات بـ97 مقعدا، متقدما على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، والاستقلال بـ65، بينما جاء حزب العدالة والتنمية، ذو المرجعية الإسلامية، في المرتبة الرابعة بـ54 مقعدا. وهذه النتيجة أعادت الحزب، بعد سنوات قليلة من تراجعه الكبير في انتخابات 2021، إلى موقع أكثر حضورا داخل البرلمان؛ فقد انتقل من 125 مقعدا سنة 2016 إلى 13 مقعدا فقط سنة 2021، قبل أن يستعيد جزءا مهما من حضوره في انتخابات 2026.
وقد سال الكثير من الحبر بعد إعلان النتائج، ليس فقط حول حجم التحول في الخريطة الحزبية، وإنما أيضا حول معنى الصدارة التي حققها حزب الأصالة والمعاصرة، في ظل منافسة قوية من الأحزاب الأخرى. ثم انتقل النقاش سريعا من سؤال الانتخابات إلى سؤال الحكومة: من سيقود المرحلة الجديدة؟ وكيف ستُبنى الأغلبية؟
واليوم، بعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، ينتقل الجدل إلى مستوى آخر. فالمغرب دولة ذات مرجعية إسلامية، ومجتمع يجمع بين عناصر المحافظة والانفتاح، ويعيش في الوقت نفسه تحولات اجتماعية وثقافية متسارعة. ومن الطبيعي، في مثل هذا السياق، أن يثير وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة أسئلة متعددة، بعضها سياسي، وبعضها اجتماعي، وبعضها مرتبط بالتقاليد والصور النمطية حول أدوار المرأة والرجل في المجال العام.
ومن هنا بدأت الآراء تتباين. هناك من ينظر إلى الأمر بوصفه تحولا مهما في مسار مشاركة المرأة في الحياة السياسية، وهناك من يطرح تساؤلات مرتبطة بالسياق الثقافي والديني المغربي، وهناك من يفضّل انتظار النتائج قبل إصدار أي حكم. وبين هذه المواقف جميعا، يبقى السؤال الأكثر أهمية: ماذا ستفعل فاطمة الزهراء المنصوري بهذا المنصب؟
أما في رأيي الشخصي، فإن المغرب جرّب رجالا كثيرين في رئاسة الحكومة، من أجيال واتجاهات ومدارس سياسية مختلفة. شهدت البلاد رؤساء حكومات من اليسار، ومن الوسط، ومن ذوي الخلفيات الإسلامية، ومن التكنوقراط، وشهدت تجارب سياسية متعددة. لكن هذه هي المرة الأولى التي تخوض فيها امرأة هذا التحدي في مغرب تغير كثيرا خلال السنوات الأخيرة، وأصبح أمامه عدد كبير من الملفات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية المعقدة.
ولذلك، لا أرى أن السؤال الحقيقي ينبغي أن يكون: هل تستطيع المرأة أن تقود الحكومة؟ فهذا السؤال يفترض مسبقا وجود فرق جوهري بين قدرة الرجل وقدرة المرأة على تحمل المسؤولية العامة. السؤال الأهم، في نظري، هو: هل تستطيع فاطمة الزهراء المنصوري أن تنجح في إدارة هذه المرحلة؟
فالنجاح في نهاية المطاف لا تحدده هوية المسؤول بقدر ما تحدده قدرته على العمل، وحسن التدبير، والاستجابة لمطالب المواطنين، وتحويل الوعود إلى سياسات ملموسة. والمرأة، مثل الرجل، يمكن أن تنجح ويمكن أن تخفق؛ والمعيار الحقيقي هو ما تقدمه للمجتمع، لا جنسها.
وقد عشنا في الغرب تجارب عديدة لنساء تولين مناصب عليا في الحكومات والجامعات والمؤسسات الاقتصادية والمصرفية، وأثبتن أن القيادة السياسية والإدارية ليست حكرا على الرجال. وهذا لا يعني أن المرأة أكثر نجاحا من الرجل بالضرورة، ولا أن الرجل أقل كفاءة؛ بل يعني ببساطة أن القدرة على تحمل المسؤولية لا تُقاس بالجنس وحده.
ومن هنا، فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة ينبغي ألا يتحول إلى معركة رمزية بين «الحداثة» و«المحافظة»، ولا إلى معركة بين أنصار المرأة وأنصار الرجل. الأهم هو أن ننظر إلى التجربة من زاوية المسؤولية العامة: ماذا ستقدم هذه الحكومة للمغاربة؟ وهل ستنجح في معالجة الملفات التي ظلت تؤرق المجتمع؟
لقد جرب المغاربة مختلف الحكومات والمرجعيات السياسية، وكان لكل تجربة وعودها وشعاراتها وبرامجها. لكن استمرار الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية، وتراجع ثقة جزء من المواطنين في العمل السياسي، انعكس أيضا على مستوى المشاركة الانتخابية. ففي انتخابات 2026 بلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.02%، وهو رقم يضع مسألة الثقة السياسية والمشاركة المواطنة في قلب النقاش حول المرحلة المقبلة.
وهنا تحديدا تكمن صعوبة المهمة أمام رئيسة الحكومة الجديدة. فالحكومة المقبلة لن تبدأ عملها في فراغ، وإنما في ظل انتظارات اجتماعية قوية، وملفات اقتصادية وتنموية كبيرة، واستعدادات مرتبطة باستحقاقات كبرى، من بينها مشاريع كأس العالم 2030، إلى جانب قضايا التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية. وتحتاج هذه الملفات إلى قرارات واضحة، وإلى قدر كبير من التنسيق والاستمرارية في العمل الحكومي.
لذلك، فإن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري ليس نهاية القصة، بل بدايتها. لقد حصلت على فرصة تاريخية، لكن التاريخ لا يصنعه الوصول إلى المنصب فقط؛ بل تصنعه أيضا طريقة ممارسة السلطة، والقدرة على تحمل المسؤولية، والنتائج التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وإذا أُعطيت الفرصة للعمل بعيدا عن الضغوط والعرقلة، فقد تكون أمامها إمكانية لتقديم تجربة مختلفة. لكن الحكم عليها لن يكون اليوم، ولا بمجرد كونها أول امرأة تدخل هذا الموقع. الحكم الحقيقي سيكون بعد سنوات، عندما يستطيع المواطن أن يسأل سؤالا بسيطا: ماذا تغير؟
وفي النهاية، بعيدا عن الانتماء الحزبي والجدل السياسي والنقاش الديني حول تولي المرأة موقعا سياسيا رفيعا، يظل معيار الإنسان هو ما يقدمه من عطاء للمجتمع. لا يهم كثيرا أن يكون رئيس الحكومة رجلا أو امرأة، بقدر ما يهم أن يكون قادرا على خدمة المواطنين، وإدارة الاختلاف، وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية، وتحويل السياسة من وعود انتخابية إلى نتائج ملموسة.
هذه، إذن، ليست خاتمة حكم، وإنما بداية تجربة جديدة. المغرب لم يحسم بعد سؤال نجاح فاطمة الزهراء المنصوري؛ لقد منحها فقط فرصة الإجابة عنه. والأيام وحدها ستكشف ماذا ستفعل بهذه الفرصة، وهل سيكون وصولها إلى رئاسة الحكومة مجرد سابقة تاريخية، أم بداية مرحلة سياسية مختلفة.
وأملنا، في النهاية، أن يخرج المغرب من سنوات عجاف صعبة، وأن تتحول هذه المرحلة الجديدة إلى فرصة حقيقية لاستعادة الثقة، وتجديد الحياة السياسية، والاستجابة للمطالب الاجتماعية المتزايدة، وبناء مستقبل يشعر فيه المواطن بأن السياسة قادرة فعلا على تحسين حياته.

احتجاجات تلاميذ الثانوي تهز فرنسا.. آلاف الموقوفين ومئات المؤسسات التعليمية في قلب التعبئة
توقيف شخصين بمراكش للاشتباه في ابتزاز سائحين واستغلال الشارع العام لغسل السيارات
د ريم سليمان الخش: دراسة “السالب والموجب اللغوي” في الشعر
المجلس الوطني للصحافة يستكمل هيكلة لجانه الدائمة وينتخب رؤساء خمس لجان