‏آخر المستجداتلحظة تفكير

د جمال أيت لعضام*: الدبلوماسية المغربية.. مرحلة ما بعد الأحادية القطبية وعصر التحولات الدولية

مع مطلع عام 2026، يشهد النظام الدولي تحولات جوهرية تتسم بمزيج من اللايقين السياسي، والتوتر الاقتصادي، والهواجس الأمنية والاستراتيجية،  في الوقت نفسه، يتراجع تدريجياً هيمنة مفهوم القطبية الأحادية الذي طبع العقود السابقة، في حين تظهر بوضوح ملامح نظام عالمي متعدد الأقطاب، تتوزع فيه مراكز القرار والنفوذ بين قوى تقليدية وأخرى صاعدة. في خضم هذه الديناميكيات الغامضة، يبرز تساؤل محوري: إلى أي مدى يمكن للدبلوماسية المغربية أن تعيد تشكيل مسارها الاستراتيجي بما يناسب هذا الواقع الجديد دون الإخلال بتوازناتها التقليدية؟

تمكن المغرب خلال العقد الأخير من تعزيز دوره كفاعل إقليمي متوسط ذي تأثير نوعي،  مستفيدًا من استقراره السياسي وتراكم شرعيته المؤسساتية والدينية، بالإضافة إلى حضوره المتزايد في القارة الإفريقية، كما شهد تطورًا ملحوظًا في مجالات الأمن، والهجرة، ومكافحة الإرهاب. ومع ذلك، فإن المرحلة السياسية والدبلوماسية الراهنة تستدعي الانتقال من مجرد إدارة العلاقات الدبلوماسية إلى إعادة صياغتها وبنائها وفق نهج براغماتي وواقعي محض. 

  •     بين  الدبلوماسية الاستمرارية ونهج التطوير البراغماتي 

من المتوقع أن الدبلوماسية المغربية لن تتجه نحو تغيير جذري في استراتيجياتها السابقة، لكنها ستسعى إلى تحديث أدواتها وإعادة ترتيب أولوياتها بما يعزز سيادتها، ورغم أن الشراكات التقليدية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ستبقى حجر الأساس بفضل الروابط الاقتصادية والتجارية والأمنية الوثيقة، فإن ذلك لن يقف عائقًا أمام المملكة لتنويع علاقاتها الاستراتيجية ،وستعمل في هذا السياق على تعزيز وتوطيد صلاتها مع كل من الصين وروسيا ودول الخليج، مع التركيز بشكل خاص على تعميق حضورها داخل القارة الإفريقية. 

بهذا السياق، ما قد يُعتبر ازدواجية في المعايير هو في جوهره اجتهاد دبلوماسي يهدف إلى تعزيز فرص تجديد العلاقات الدولية ضمن نظام عالمي لم يعد يتقبل الثبات الصارم في الاصطفافات، فالعالم اليوم يعترف بالدول التي تتمكن من إدارة مصالحها بواقعية وبراغماتية ،متجنبة الشعارات الأيديولوجية الجوفاء أو التحالفات السياسية المنغلقة.

  •     دبلوماسية الاقتصاد مدخل لتموضع دولي جديد:

 تشكل الدبلوماسية الاقتصادية واحدة من أبرز الأدوات التي تعتمد عليها المملكة في المرحلة المقبلة لتعزيز حضورها الدولي، فالمشاريع الكبرى التي تركز على مجالات الطاقة، الصناعات الخضراء، والبنى التحتية العابرة للحدود تمنح المغرب دوراً متنامياً، خاصة في مناطق غرب إفريقيا، الساحل ،والمحيط الأطلسي. إلى جانب ذلك، يظل توظيف قضية الصحراء المغربية ضمن إطار الشراكات الثنائية خياراً استراتيجياً يسهم في تعزيز الاعتراف الدولي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وذلك تحت مظلة مشروع الحكم الذاتي كحل واقعي ومستدام.

في المقابل، تبقى هناك تحديات وعوامل موضوعية لا يمكن تجاهلها مثل هشاشة الاقتصاد الدولي، حساسية العلاقات الإقليمية مع بعض الدول المجاورة، بالإضافة إلى تصاعد التنافس العالمي داخل القارة الإفريقية. هذا الأمر يستدعي أن يظل التحرك الدبلوماسي المغربي محسوبًا ومتزنًا، بما يضمن حماية المصالح الوطنية في المقام الأول دون الانخراط في مغامرات جيوسياسية غير مضمونة النتائج أو العواقب.

  •     دبلوماسية عقلانية ورصينة، تمثل خيارًا مدروسًا للمملكة لا تخطئ بوصلتها

ما يميز الدبلوماسية المغربية هو قدرتها على الدمج بين الاعتدال في الخطاب والحزم في حماية الثوابت الوطنية، خصوصًا فيما يتعلق بالقضايا السيادية. فالمغرب لا يسعى لإثارة التوترات في محيطه الإقليمي، لكنه في الوقت ذاته يرفض لعب دور التابع أو مجرد سد الفراغ ضمن السياسات التي ترسمها القوى الكبرى. هذا التوجه العقلاني يظهر من خلال اعتماد المملكة على أدوار الوساطة الناعمة في العديد من القضايا الإقليمية، بالتوازي مع تعزيز حضورها المؤثر على المستويين الأطلسي والإفريقي بطريقة متناغمة ومتكاملة.

خاتمة:
مع بداية عام 2026، يمكن القول إن الدبلوماسية المغربية تقف على أعتاب مرحلة محورية تتطلب إعادة تشكيل تموضعها في عالم يشهد تحولات سريعة. الأمر لا يتعلق بمجرد الانتقال من مركز قوى إلى آخر، وإنما بتجاوز زمن التبعية إلى زمن جديد تسوده استقلالية نسبية في اتخاذ القرار الدبلوماسي،  ويتجلى رهان المغرب في هذا السياق على ترسيخ موقعه كفاعل استراتيجي متوازن، يمزج بين الواقعية السياسية والبراغماتية الاقتصادية، مع الحفاظ على ثوابته الوطنية ووحدته الترابية وسيادته الدبلوماسية. 
وعليه، في ظل عالم متعدد الأقطاب تتغير فيه قواعد اللعبة السياسية على الساحة الدولية، يبدو أن المغرب اختار نهجاً قائماً على الحنكة والتروي، حيث يسعى للتحكم بخيوط المرحلة بثبات ووضوح. إنه يسعى لترسيخ موقعه بفضل دبلوماسيته الحكيمة والمتزنة،  مبتعداً عن حالة اللايقين التي تخيم على العلاقات الدولية، وهو ما يجعل هذا النهج أحد أبرز الركائز لدبلوماسية تريد أن تبقى واثقة ويقظة في عالم تطغى عليه التحولات وعدم الاستقرار.

*جمال أيت لعضام 
دكتور في العلاقات الدولية و القانون الدولي 
جامعة جيلين ، تشن تشونغ الصينية . 
مركز الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button