‏آخر المستجداتلحظة تفكير

د. جمال الدين الأحمدي: والمناسبة شرط.. ذكرى ثورة 20 غشت 1953

إن عمل أهل المغرب سواء قبل الاستعمار أو خلاله ثم بعده، شمل مناطق المغرب وجهاته.  ولم يرتبط بشخص ما بل بجماعات وقادة أطروا وهيؤوا الأفكار والأجواء في مختلف أنحاء المغرب.

 إنّ ما نحتاج إليه اليوم، في سياق حاضرنا المتسارع، هو التذكير بجوهر تاريخنا الوطني الحديث، ذلك الجوهر الذي تَشكّل عبر محطات مفصلية منذ أكثر من اثني عشر قرناً:
• العقد الجامع بين الشعب والملك، الذي تأسّس منذ بيعة المغاربة لإدريس الأول سنة 172هـ / 788م، وهو عقد البيعة الذي ظلّ الإطار الناظم للعلاقة الشرعية والسياسية بين العرش والشعب، متجدّداً في كل حقب تاريخ الدولة المغربية مع المرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين والعلويين   مؤكِّداً شرعية الدولة المغربية واستمراريتها.
• التشبّث بالوحدة الترابية والاسلام، تشبت تجسّد بوضوح في كفاح الشعب المغربي ضد الاستعمار الفرنسي والإسباني خلال النصف الأول من القرن العشرين، وتكرّس بعد الاستقلال سنة 1956، ثم تعمّق بحدث المسيرة الخضراء في 6 نوفمبر 1975، حيث عبّر الملايين من المغاربة عن تعلقهم بالأقاليم الجنوبية كجزء لا يتجزأ من الوطن.

هذه الأسس المتينة مكنت المغاربة من تشييد صرح الدولة المغربية  كبنيان مرصوص يشد بعضه بعضا بروابط التعاقد والتراحم والمحبة والتضامن والاحترام.
• المسار نحو الديمقراطية والتنمية، الذي ابتدأ مبكراً منذ الحكومة الأولى اواخر 1955 ثم تجربة حكومة عبد الله إبراهيم (1958–1960) ثم عرف مداً وجزراً عبر مراحل “سنوات الرصاص”، قبل أن ينفتح المغرب على إصلاحات سياسية ودستورية مهمّة، أبرزها دستور 2011 الذي وسّع من صلاحيات المؤسسات المنتخبة ورسّخ مبادئ الحكامة الجيدة وحقوق الإنسان. إلى جانب هذه الأبعاد السياسية، تظل التنمية الاقتصادية والاجتماعية جوهر التطلعات الوطنية. فالمغرب حقق نسب نمو معتبرة منذ مطلع الألفية الثالثة، لكنه ما يزال يواجه تحديات كبرى في مجالات التعليم، الصحة، العدالة الاجتماعية، الإدارة وسلوك المواطنة والتكوين بمختلف ميادينه ومستوياته.

 فتقارير المندوبية السامية للتخطيط والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تشير باستمرار إلى الفجوة بين الدينامية الاقتصادية وحاجيات المواطنين اليومية.
هنا يبرز دور اختيارات وبرامج مثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (2005)، وأوراش الإصلاح الاجتماعي بتعميم التأمين الصحي  الإجباري ، لكنها تبقى رهينة بمدى قدرة الدولة والمجتمع على تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي والتوزيع العادل للثروة كأساس التنمية كما أكد ذلك عالم الاقتصاد المغربي عزيز بلال..
• الالتزام بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، الذي عبّر عنه المغرب في المحافل الدولية منذ نكبة 1948 مروراً بحرب 1967 و1973 وظلّ حاضراً في سياسات الدولة والمجتمع المغربي انسجاماً مع موقف ثابت داعم لحقوق الشعوب في التحرر، والتمسك بالقانون الدولي كضامن  للسلام للعدالة والحقوق.
وإذا كانت هذه المبادئ الأربعة تعبّرعن سيادة المغرب في أسمى معانيها، فإنها تقترن أيضاً بتطلعاتنا الدائمة إلى التنمية الشاملة والتقدم العادل، حيث لا تكفي مؤشرات النمو الاقتصادي ما لم تُترجم إلى توزيع للثروة يضمن الحقوق الأساسية لكل مواطن: التعليم، الصحة، الشغل والسكن والعدالة الاجتماعية والمجالية بتبني منهجية الحكامة الجيدة ومحاربة الفساد والمحسوبية وربط المسؤولية بالكفاءة  والجدية والإخلاص فضلاً عن تعزيز استقلالية الأفراد والجماعات في إطار من المسؤولية والمحاسبة.
إنّ كرامة المواطن، متى تحققت هذه الشروط، تصبح مكتسبة وموثوقة، ويغدو التقدّم حقاً لا منّة، ومساراً يواصل كتابة صفحات وضاءة في تاريخ المغرب المعاصر، من جذوره العريقة إلى مستقبله الواعد.

حين نتأمل مسار المغرب نحو الاستقلال والسيادة، بتلاحم الملك والشعب في إطار البيعة والتمسك بالثوابت الروحية ووحدة التراب الوطني وحقوق الشعوب المعترف بها دوليا، ندرك أنّ مناطق المغرب قدمت الكثير في سبيل الوحدة والتضامن والكرامة بلا مفاضلة بين الجهات او الأفراد أو الجماعات.

نضرب مثلا لذلك الأدوار التي أدت مراكش علاقة بعبقرية المكان وانخراط الإنسان. كانت أدواراً محورية سواء في نشر الوعي الوطني (عبر مدارس حرة يديرها وطنيون مخلصون كمبارك الغراس ومحمد الدفالي والحبيب بن موح محي وأحمد بن الحسن العاصمي مدير مدرسة الفضيلة الحرة لتعليم البنات) أو في احتضان المقاومة المسلحة  ضد الاستعمار الفرنسي بعد نفي السلطان محمد بن يوسف في 20 غشت 1953. نذكر هنا شذرات ذهبية تعبرعن جهاد وإخلاص مراكش وكفاح ساكنتها.

عبد القادر حسن العاصمي: الشعر سلاح  التوعية الوطنية

من بين الأصوات التي ساهمت في إذكاء الروح الوطنية بمراكش، يبرز اسم عبد القادر حسن العاصمي الذي استخدم الشعر كأداة للتعبئة الوجدانية والفكرية. فرغم الاستعمار الفرنسي المظلم وقبل نفي السلطان الشرعي محمد بن يوسف (محمد الخامس) الذي طالب باستقلال المغرب في خطابه التاريخي بطنجة سنة 1947 معلنا روح وثيقة 11 يناير 1944، كتب عبد القادر حسن قصائد وطنية مؤثرة، كانت تُتداول بين المثقفين وداخل الأسر والعائلات، للرفع من المعنويات وتعميق الوعي بقضية الحرية والاستقلال.

لقد أدرك هذا الشاعر المراكشي الأصيل  أن الكلمة سيف ذو حدين وطلقة في وجه الاحتلال، وأن الوعي بالذات و بالحقوق الوطنية يسبق دائماً الفعل المسلح. وكان قد نظم مع المرحوم عبد الله ابراهيم مظاهرة شعبية في 1937 ضد زيارة نائب رئيس مجلس حكومة فرنسا الوزيربول راماديي بسوق الشعرية داخل المدينة العتيقة. فبهت الوزير ومن معه وارتدوا على أدبارهم مندهشين. وكانت فاطمة الزهراء التي اغتيلت في 15 غشت 1953 خلال مظاهرة المشور بمراكش أولى شهيدات المقاومة في المدن المغربية.

ومن أشعار المرحوم العاصمي الرصينة في ديوانه أحلام الفجر :

أنـا قُــُـــــوَة جبارة لا ترى لهــــا ** مقرًا ولو قد جاوزت فلك النجم

أنا مِثلُ نفسي لا أرى لي مُشابها **وإن كان هذا القولُ جَلَّ عن الفهم

المقاومة المسلحة في مراكش: عظمة في الفعل والمراد

بعد تصاعد القمع الاستعماري في بداية الخمسينيات، انتقل العمل الوطني في مراكش من التعبئة الفكرية إلى المقاومة المسلحة. ورغم محدودية العتاد والعدد، برزت مجموعات أرهقت الاستعمار بجرأتها وطبعت الذاكرة الوطنية بجهادها وعطاءاتها حيث انخرط المراكشيون نسوة ورجالا في مواجهة عدوان  المستعمر.

ولنتذكر أبرز مجموعات المقاومة المسلحة بمراكش:

جماعة حمان الفطواكي: الذي قاد عمليات فدائية ضد رموز الاستعمار وأعوانه، معتمداً على شبكات دعم محلية.

جماعة مولاي عبد السلام  جبلي: الذي جمع بين الحضور الوطني والروح الجهادية وفراسة المؤمن قل نظيرها وحسن التنظيم  بين فصائل المقاومة  في مراكش والدار البيضاء وغيرهما من المدن المقاومة لجبروت الاستعمار. فكان رمزاً لالتحام الشرعية الروحية والمقاومة الشعبية المنظمة داخل المجال الحضري.

جماعة الفقيه عبد السلام بن الشرقي الأحمدي: الذي مثّل نموذج المثقف اليوسفي المناضل، حيث جمع بين التدريس والتعليم والتربية والجهاد مُجسداً صورة العالِم المقاوم الذي يرى في الاستعمار اعتداءً على الشعب والوطن والدين . فقام في أبريل 1955 بتصفية أشد العسكريين الفرنسيين قمعا وقسوة على سكان مراكش والجهة، الضابط  كيدون، المعروف بالقبطان الأعرج المشؤوم.

عبد الله إبراهيم: مشروع الدولة المغربية الاجتماعية

في موازاة ذلك، كان ابن مراكش عبد الله إبراهيم (1909–2005) يشق طريقه في العمل  الفكري والسياسي والنقابي والصحفي والحكومي، متدرجاً من النضال داخل الحركة الوطنية إلى رئاسة الحكومة بين 1958 و1960. ورغم قصر مدة حكومته، فقد طبعها بخيارات استراتيجية وأب أول مخطط حكومي في فجر استقلال المغرب، مخطط خماسي 1960-1964

• إرساء أسس اقتصاد وطني مستقل يرتكز على الإصلاح الزراعي وتنمية اقاليم الشمال ومركبات صناعية للسيارات والشاحنات وأجهزة الفلاحة ومصنع المحمدية البترولي،

• جعل التعليم قاطرة للتحرر والتنمية بتعميمه في المدن والبوادي.

• تبني سياسات اجتماعية تسعى إلغاء الفوارق وضمان العدالة.

٠ اتباع ديبلوماسية ذكية تحافظ على عدم الانحياز والسلم الدولي ووحدة المغرب العربي.

هكذا التقت في مراكش، عاصمة الجنوب، عزيمة السلطان وترتيباته المضيئة  بمسارات الشعر الوطني (عبد القادر حسن العاصمي)، والفكر الثاقب ( عبد الله ابراهيم) والمقاومة المسلحة (الفطواكي، الجبلي، بن الشرقي الأحمدي..)، والمشروع السياسي الإصلاحي ( بأعلامه الماهدين كعلال الفاسي، المختار السوسي، محمد بن الحسن الوزاني، عبد الله إبراهيم، احمد بلافريج، سعيد حجي بسلا، عبد السلام بنونة وعبد الخالق الطريس بتطوان..)، والتربية والتعليم في مدارس حرة من تمويل وتسيير الوطنيين المغاربة بعد إنجاز برنامج إصلاح النظام كما سطر له المغفور له محمد الخامس وثلة من العلماء الوطنيين ابتداء من 1937  في جامعات المغرب الرائدة (ابن يوسف بمراكش، القرويين بفاس والزيتون بمكناس) لتجعل من مراكش وأهم مدن المغرب مختبراً حقيقياً لتجارب السيادة المغربية في القرن العشرين.

خاتمة: دروس التحام الملك والشعب أو من المحلي إلى الوطني والدولي

نستحضر هذه الشخصيات البارزة والأحداث الجليلة وفاء للتاريخ واستعادة لدرس كبيرمن تاريخنا المجيد: إن السيادة مشروع متعدد الأبعاد، يجمع بين الكلمة والفعل، بين الفكر والسياسة، بين التضحية الفردية والعمل الجماعي، بين السياسي والثقافي، بين النمو الاقتصادي والتطور البشري.

لقد علمتنا تجارب الشعب المغربي في جبال الأطلس وجبال الريف، في مراكش والدار البيضاء، في الرباط وفاس ومكناس،في تطوان  وسلا ، في فكيك وقصر السوق، في وجدة واكادير، في الجديدة وأسفي، في الصويرة وواد زم، في خنيفرة وسمارة وإفني، في طنجة وغيرها من حواضر وبوادي المغرب، في سهوله  ووديانه وصحراءه، علمتنا أنّ مقاومة الاستعمار والتخلف والتمزق لم تكن مجرد معارك مسلحة، بل أولا معارك وعي وتربية وتكوين وبناء مستقبل يُؤسّس على الحرية والكرامة والعدالة بتلاحم الملك والشعب، باتحاد القيادة والقاعدة، بالتزام النخب لتأطير الناس فكانت المعجزة، رجوع الملك الى عرشه واستقلال المغرب بأقل كلفة  ممكنة، وقتا وأرواحا.

إن التذكير بهذه الأحداث الجسام والشخصيات المخلصة العاملة من مختلف جهات المغرب يهدف لإبراز مقومات القوة عبر توحيد الكلمة والاستفادة من دروس تاريخنا المجيد. جدير بنا استعادة هذه المحطات ـ من البيعة التاريخية إلى المسيرة الخضراء، ومن سنوات الرصاص إلى دستور 2011 ـ فنسترجع الثقة في الذات وفي مؤسسات المغرب الذي بنى مساره على أساس متين من الشرعية التاريخية، والوحدة الترابية، والمسار الديمقراطي التنموي، والانفتاح على العدالة الدولية. هذه القيم تترسخ عبرالتنمية الشاملة التي تضمن كرامة الإنسان الذي يتحلى بمقومات المواطنة ويتخلق بالفضيلة عبرسلوك مهذب إيجابي  يصمن السيادة الوطنية وفاءً للعهد وللتاريخ ووفاءً للمصير المشترك.

مراجع وإشارات:

• محمد عابد الجابري، المسألة الثقافية، مركز دراسات الوحدة العربية، 1994.

• تقارير المجلس الوطني لحقوق الإنسان (2004–2020).

• المندوبية السامية للتخطيط، تقارير التنمية البشرية في المغرب.
• المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، ذاكرة المقاومة بمراكش/ شهادات شفهية لأبناء المقاومين المراكشيين، منشورة في مجلة “ذاكرة” (إصدار المندوبية السامية، أعداد خاصة بمراكش).
• عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، المركز الثقافي العربي، 1996.
 • امحمد الخليفة: 80 سنة على مظاهرة ، 1937

• عبد الكريم غلاب، الحركة الوطنية المغربية: مسار وتضحيات، دار المغرب للتأليف.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button