د عز الدين بونيت: الحكومة والدستور…

هناك نقاش من طينة بيداغوجيا الثقافة السياسية يدور هذه الأيام بين المهتمين بالشأن العام، في انتظار استكمال الخطوات الدستورية لتنصيب الحكومة التي تم تشكيلها وتعيينها مؤخرا بعد انتخابات 23 شتنبر.

وصفت هذا النقاش بالبيداغوجي لأنه يطرح لأول مرة منذ اعتماد العمل بدستور 2011، الذي اسس للمغرب ملكية تنفيذية برلمانية على الطريقة المغربية.

اول من اثار هذا النقاش هو تيار اليسار الراديكالي الذي يطالب بنظام ملكي برلماني خالص، لكنه لا يرى غضاضة في المشاركة السياسية المؤسساتية المنبثقة عن النظام الملكي التنفيذي البرلماني القائم حاليا.

هو نقاش بيداغوجي لأنه يطرح لأول مرة سؤال الحفاظ للبرلمان ولـ”الإرادة الشعبية” التي يعبر عنها، على حقوقهما الدستورية، ويتساءل عن مدى دستورية بعض الاجراءات التي شرع في اتخاذها من طرف الحكومة، حتى قبل ان تتقدم أمام البرلمان لطلب الحصول على الثقة، الضرورية لاكتساب حقها في ممارسة مهامها الدستورية.

فقد لاحظ هذا التيار ان الوزراء سارعوا الى عقد مراسم تسلم المهام من اسلافهم، وعقدوا اجتماعا لمجلس للحكومة ثم حضروا اجتماع مجلس الوزراء الذي يرأسه الملك، لدراسة مشروع قانون المالية والمصادقة عليه قبل ايداعه لدى البرلمان.

وهم يرون في هذه الاجراءات تطاولا على الاختصاصات الدستورية للبرلمان التي تربط شروع الحكومة في ممارسة مهامها بحصولها اولا على ثقة البرلمان. وهو ما لم يتم، حسب تقديرهم.

بغض النظر عن وجاهة هذه الاعتراضات، فإنها تشكل في حد ذاتها، تقدما نوعيا في مناقشة ومراقبة الفعل السياسي للحكومة في علاقته باحترام اختصاصات البرلمان. ذلك ان السمة التي كانت تطبع، فيما سبق، النقاش الذي يسبق الانتخابات ويعقبها، هي الاستخفاف بجدوى البرلمان، والتشكيك في مفهوم الإرادة الشعبية التي يعبر عنها وجود هذه المؤسسة. ولهذا، نعتبر النقاش الدائر اليوم حول الموضوع، ذا أهمية بيداغوجية، تجعل النص الدستوري والمفاهيم التي يتأسس عليها عمل المؤسسات الدستورية، في جوهر ومنطلق النقاش العمومي.

اما اذا اردنا الاسهام في إغناء هذا النقاش، فنقول:

اولا، بخصوص مراسم تسليم المهام بين الوزراء الجدد والقدماء، فهذا اجراء تقني يدخل في الحفاظ على ديمومة المرفق العام، فأعضاء الحكومة المنتهية ولايتها، يفقدون صفاتهم الوزارية بمجرد تسمية وزراء جدد محلهم، وهي التسمية التي يعود اختصاصها الى الملك بموجب الفصل 47 من الدستور. ولو لم يتم تسليم المهام مباشرة بعد اداء القسم الدستوري امام الملك، لصرنا عمليا في وضعية شبيهة او قريبة من الوضعية التي تخيم على ليبيا، حيث تتنازع حكومتان صفة الحكومة الشرعية. وهذا هو ما يتنافى كليا مع الدستور، لأن ارادة الملك المعبر عنها بتعيين الحكومة الجديدة لا يمكن ان تتعايش مع وضعية وجود حكومتين. لأن هذا يعني وجود إرادتين ملكيتين متنافرتين في نفس الوقت. كما ان شغور مؤسسة الحكومة الواقع بمجرد تعيين الحكومة الجديدة، لا يرتفع الا بتسلم الحكومة لمهامها دون تراخ.

ثانيا، مشروع قانون المالية تم اعداده من طرف الحكومة المنتهية ولايتها. ولم تقم الحكومة الحالية بما يدل على انها هي التي أعدت سطرا واحدا منه، فهي إما تعتبر المشروع وسيلة عمل متوافقة مع برنامجها، وإما انها تعتبر المناقشة البرلمانية هي فرصتها لإدخال التغييرات التي تراها مناسبة، ومن وراء ذلك تكون ايضا فرصة للحصول على دعم حليفها في الحكومة السابقة (الاحرار) الذي أسهم في اعداد ذلك المشروع.

ثالثا، تبعا لما سبق، فإن العمل السياسي للحكومة مع هذا المشروع، لن يبدأ الا بعد حصولها على الثقة، حيث سيقدم وزير المالية المشروع رسميا امام غرفتي البرلمان.

رابعا، دعونا نتخيل الحالات القصوى:

1/ ماذا لو حصل طارئ مفاجئ، غير متوقع في هرم المؤسسات الدستورية.

2/ ماذا لو فشلت الحكومة في الحصول على الثقة؟

سنكون حينئذ امام أزمة سياسية لا تعالجها الحلول الدستورية.

اما الآن، فيفترض ان هناك دينامية سياسية عادية، يترتب عنها توقع حصول الحكومة تلقائيا على الموافقة البرلمانية، وبالتالي فإن سلطة التشريع وسلطة التنظيم والتنفيذ متعاضدتان. إذا ثبت العكس، برفض منح الثقة للحكومة، فإن مشروع قانون المالية لن يناقش، وسيصير إجراء إحالته على البرلمان عديم الأثر، وسيكون البرلمان قد قال كلمته الفصل، وعبر عن إرادة الشعب بوضوح.

لا خرق للدستور هنا، لأن العبرة بالنتائج النهائية: هل هناك ازمة سياسية كامنة ام لا؟ وما دام ذلك غير وارد في الحسابات الحالية، فالدستور مصون.

↑
Exit mobile version