د محمد حفيظ: الوزير المصبوغ

كثيرون انتقدوا “المفاوض الأول” باسم حزب الاتحاد الاشتراكي، لأنه قبل بأن يُوزَّر شخصٌ باسم حزبه، دون أن تربطه أية علاقة بالحزب، لا من قريب ولا من بعيد؛ فلم يسبق له أن حضر اجتماعا حزبيا أو شارك في ندوة من ندوات الحزب، داخلية أو إشعاعية، ولم يسبق له أن حضر نشاطا تنظيميا أو تظاهرة سياسية، بل لم يسبق له أنه “زْعمْ” وذكر بلسانه اسم حزب، وحتى اسمُه لم يسبق أن ذُكِر في سياق الحديث عن الأحزاب والسياسة وما

يتعلق الأمر بالوزير الذي أُسنِدت إليه حقيبة الصحة والحماية الاجتماعية، وعينه الملك ضمن حصة حزب الاتحاد الاشتراكي في إطار التحالف الحزبي الرباعي، الذي أتاح لرئيسة الحكومة تكوين أغلبيتها البرلمانية وتشكيل الحكومة الجديدة.

رجل لم تكن له أية صلة معروفة، لا بالعمل الحزبي ولا بالنشاط السياسي، حتى وإن سعى البعض إلى إشهار صورة له مع شخصية حزبية من هنا، أو مع شخصية سياسية من هناك؛

رجل لم يكن اسمه متداولا، لا داخل الحزب ولا خارجه، لا قبل الانتخابات ولا خلالها ولا بعدها؛

رجل لم يكن حتى من بين أولئك الذين يتداول الصحافيون و”اليتوبيون” و”المتتبعون” أسماءهم ضمن فئة المُسْتَوزَرين، سواء باستحضار مساراتهم السياسية والحزبية أم باستحضار انشغالهم بقضايا الشأن العام؛

رجل لم يكن حتى من بين أولئك الذين يتمنى “محبوهم” أن يروهم ضمن الفريق الذي سيحظى باستقبال الملك في القصر الملكي، ليعينهم وزراء على رأس هذه الوزارة أو تلك، أو حتى مجرد منتدبين للعمل لدى وزراء آخرين…

نعم، إن هذا الوزير الذي أُسنِدت إليه حقيبة الصحة والحماية الاجتماعية لا سوابق له، لا في السياسة ولا في “الحزبية”، وإن كانت له سوابق أخرى ستظهر آثارها في القادم من الأيام. وها هو اليوم، بين عشية وضحاها، يحوز صفة حزبية، ويتربع بها وعبرها وبواسطتها على رأس وزارة وُجِدَت لتدبير شؤون صحة المغاربة.

صحيح أن هذه الممارسة ليست جديدة على التقاليد المغربية، وتكاد تصبح ضمن “التقاليد المرعية”. ففي كل مناسبة تتعلق بتشكيل الحكومة، يصر مهندسو التشكيلات الحكومية المتعاقبة على أن يُذَكِّرونا بأن الأحزاب “مْترْعَة”، وأنه بالإمكان إدخال أي كان إليها، بل حتى إخراج أي كان منها، دون أن تمانع قيادتها، وأنه بالإمكان صباغة أي شخص أو إعادة صباغته باسمها، في أي وقت وحين، وحتى عشية الانتخابات أو عشية تشكيل الحكومة، بل حتى قبيل تعيينها بلحظات، دون أن تعترض قيادتها.

لم نعد اليوم، في ظل هذا الواقع الحزبي البئيس، نترحم على استقلالية مثل هذه الأحزاب في اتخاذ الموقف السياسي، بل على استقلاليتها في تدبير شؤونها التنظيمية، وحتى في تحديد من ينتمي إليها ومن لا ينتمي.

انتقلت الممارسة من القبول بالقرارات السياسية التي تُفرض على الأحزاب من “أصحاب القرار”، إلى القبول بـ”توزير” أي شخص يُفرض على الحزب ليتولى الوزارة باسمه، من طرف “مهندسي التشكيلات الحكومية”. ولا يجد مسؤولو الحزب أمامهم إلا “الكاشي” (أقصد الطابع، ولكم أن تفهموا ما تشاؤون، في إطار حق المتلقي في الفهم والتأويل).

عندما يَقبل مسؤولو الحزب أن يُحسب على حزبهم أي شخص، ويُصبَغ باسمه، فإنهم يقبلون بأن يُحسب على حزبهم أي موقف، وأن يُنسب إليهم أي قرار. ولنا في وقائع توالت في السنوات الأخيرة ما يكفي لتأكيد هذا الواقع الذي يستهين بالأحزاب وتنظيماتها وقوانينها وأجهزتها وأعضائها…

ولذلك، يُطرح السؤال: ماذا بقي من هذه الأحزاب، بعدما لم تعد مواقفها بيدها، وبعدما لم تعد بطائق الانخراط فيها بيد تنظيماتها؟

لهذا السبب، كان من الطبيعي أن يحظى هذا الأمر بكل هذا الاهتمام والانتقاد.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نوجه الانتقاد أو اللوم إلى هذه الأحزاب وحدها، التي أصبحت تقبل أن تتحول إلى مجرد صباغة يُطلى بها هذا “الوافد الجديد” على السياسة، أو ذاك “القديم” الذي شاءت الأقدار والمصالح كذلك أن تطليه بصباغة أخرى.

فحتى هؤلاء المصبوغون لهم نصيب من المسؤولية، عندما يقبلون بأن يتحولوا إلى سلعة تُطلَى بهذا اللون أو ذاك، فقط ليتم تعيينهم في هذا المنصب الوزاري أو ذاك.

ما فائدة الشهادات العلمية والكفاءة الأكاديمية والتجربة التدبيرية التي جرى إشهارها لهذا “البروفسور” إذا كان يقبل بأن يُطلى بصباغة حزب لا تربطه به أية صلة؟

وما قيمة مساره في البحث العلمي والتعليم الجامعي الطبي، الذي أوردته “لاماب” في سيرته الذاتية، إذا كان يَرضَى أن يتحول إلى كائن ينام على حال ويستيقظ على لون؟

وما فائدة التجربة التي راكمها في تدبير المؤسسات الصحية، الخاصة على وجه الخصوص بالقطاع الخاص (لاحظوا كيف هجمت هذه الكلمات التي لها صلة بـ”الخاص” على هذه العبارة! الله يحد الباس وصافي على صحة المغاربة)، إذا كان هذا الشخص من أولئك الذين يقبلون لأنفسهم بهذا الوضع المهين ويتلونون في آخر لحظة؟

هل يمكن أن يثق الناس في شخص يقبل لنفسه هذا الوضع البئيس؟ وهل يمكن أن يطمئنوا إليه في تدبير صحة المغاربة؟

ما الذي كان يمنع من أن يُحسَب هذا “البروفسور” على تكنوقراط الحكومة، ما دامت الحكومة التي توصف بأنها “حكومة سياسية” لا تخلو من لائحة التكنوقراط، التي أصبحت أختا شقيقة للائحة السيادة.

إنه إذلال الأحزاب، وإذلال الوزراء.

↑
Exit mobile version