‏آخر المستجداتلحظة تفكير

د. منصور مالك (لندن) : حديقة نحل حتّا ـ الطبيعة، والمعرفة، وآية قرآنية

تقع حديقة نحل حتّا بين الجبال الطبيعية الخلّابة في منطقة حتّا بدبي، وتمثل نموذجًا مميزًا لاجتماع الطبيعة بالمعرفة والغاية. وقد أُسِّس هذا المشروع الملهم برؤية ثاقبة من سموّ الشيخ سالم بن سلطان القاسمي، الشخصية الملكية التي تعكس بصيرتها احترامًا عميقًا للخَلق، والاستدامة، والتعليم.

ليست الحديقة مجرد مزرعة، بل هي صفٌّ حيّ ومركزٌ للاكتشاف. وبدعوة كريمة من سموّه، تشرفتُ بزيارة الحديقة برفقة صديقي الإماراتي العزيز السيد إدريس أبو جاسم، والإعلامي السيد رواد المنصور. وخلال الزيارة، شاهدتُ عن قرب كيف صُمِّم المشروع بعناية لتثقيف الزوّار حول نحل العسل، ونظامه الاجتماعي الدقيق، ودوره الذي لا غنى عنه في نظامنا البيئي. كما استفدتُ كثيرًا من المعلومات القيّمة التي قدّمتها السيدة ماري جين، مديرة مزرعة النحل، ممثّلة شركة ون هايف (OneHive)، التي تتناغم رسالتها بوضوح مع قيم الحفاظ على البيئة والتوازن الطبيعي.

تأمّل قرآني: النحلة كآية

يخصّص القرآن الكريم سورة كاملة للنحل — سورة النحل — موجّهًا انتباه الإنسان إلى هذا المخلوق الصغير ذي العظمة الكبيرة:

﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
(النحل: 69)

هذه الآية تجمع بين العلم والروح. فقد أكّد العلم الحديث ما قررته الرسالة الإلهية منذ قرون: للعسل خصائص علاجية، والنحل عنصر أساسي في استدامة الحياة على الأرض.

رسالة حديقة نحل حتّا

تعمل حديقة نحل حتّا ومركز الاكتشاف التابع لها على تحقيق الأهداف الأساسية لمبادرة ون هايف:
• تعزيز وحماية الملقِّحات، وخاصة نحل العسل
• رفع الوعي بأهمية النحل ودوره الحيوي في الأنظمة البيئية
• تثقيف المجتمع حول الاستدامة، والتنوّع الحيوي، والأمن الغذائي

إنها مبادرة لا تقتصر على إنتاج العسل، بل تهدف إلى حماية التوازن الدقيق للحياة.

البنية الاجتماعية لمستعمرة النحل

  1. الملكة
    • الأنثى الوحيدة الخصبة في الخلية
    • تضع نحو 1500–2000 بيضة يوميًا في موسم الذروة
    • تفرز فرمونات تحفظ هوية الخلية ووحدتها
    • تعيش من سنتين إلى خمس سنوات، وقد تطول أكثر
    • تُربّى حصريًا على الغذاء الملكي
    • تتزاوج مرة واحدة في حياتها مع 17–20 ذكرًا، وتخزّن الحيوانات المنوية لسنوات
  2. الشغالات
    • إناث غير قادرات على التكاثر، يقمن بجميع أعمال الخلية
    • تتغيّر مهامهن حسب العمر:
    • عاملات تنظيف: الأيام 1–3
    • عاملات تمريض: الأيام 3–6
    • عاملات بناء الأقراص: الأيام 10–16
    • حارسات: الأيام 16–18
    • مستقبِلات الغذاء: الأيام 18–20
    • جامعات الرحيق: من اليوم 20 فصاعدًا
    • العمر الافتراضي:
    • 4–6 أسابيع في الصيف
    • 4–6 أشهر في الشتاء
  3. الذكور (الذكور/الزنابير الذكرية)
    • دورهم الوحيد تلقيح الملكة العذراء
    • لا يجمعون الغذاء، ولا يدافعون عن الخلية، ولا ينتجون الشمع
    • العمر الافتراضي:
    • 40–60 يومًا
    • يُطرَدون من الخلية إذا لم ينجحوا في التلقيح
    • يموتون مباشرة بعد التلقيح الناجح

لماذا يُعدّ نحل العسل مهمًا للبشرية؟

يُعدّ نحل العسل من أهم الملقِّحات على كوكب الأرض. إذ يعتمد نحو 75–80% من المحاصيل الغذائية عالميًا بشكل مباشر أو غير مباشر على تلقيح النحل. فالفواكه، والخضروات، والمكسرات، والبذور، وحتى الأعلاف الحيوانية، مدينةٌ بوجودها لجهود هذه الكائنات الدؤوبة.

بدون النحل:
• سيتعرّض الأمن الغذائي لتهديد خطير
• ستنهار الأنظمة البيئية
• سيتراجع التنوّع الحيوي بشكل حاد

إن حماية النحل ليست ترفًا بيئيًا، بل ضرورة إنسانية.

فكرة للتأمّل

يعلّمنا نحل العسل دروسًا عميقة: الانضباط بلا أنانية، والخدمة بلا طلب اعتراف، والانسجام بلا صراع. تعكس حياته توازنًا دقيقًا بين الواجب والغاية—وهو مثال يُحتذى به للمجتمعات الإنسانية الساعية إلى الاستدامة والوحدة.

حديقة نحل حتّا ليست مجرد وجهة، بل رسالة. رسالة تقول إن الطبيعة تتكلم، والوحي يهدي، والمسؤولية تقع على عاتقنا.

نعم—ابدأ بملعقة من العسل. ثم تأمّل، وتعلّم، وساهم في حماية هذه المخلوقات الرائعة، فببقائها تبقى حياتنا.

وأتقدّم بخالص الشكر للسيد سميح، مدير التسويق، وللسيدة ماري جين على وقتهم، ومعرفتهم، وحسن ضيافتهم.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button