لحظة تفكير

ذة. فريدة بوفتاس تكتب : كل شئ على ما يرام

التقينا أنا وهي، خلال رحلة سياحية جماعية، سيدة في مقتبل العمر، وكانت تصحب معها طفلتها الصغيرة .

أخد الحديث بيننا مجراه الطبيعي، فلم يظل معلقا ، كان تواصلا انسانيا ، إذ منذ اللحظات الاولى شعرنا بنوع من الدفئ يؤثت لقاءنا الجديد هذا، وكأننا نعرف بعضنا منذ مدة بعيدة .

أحيانا قد يحدث أن تستكين بعض الذوات الى بعضها منذ الوهلة الأولى ، هو ذا الانسان !

انتقل بنا الحديث عن الطقس البارد للمنطقة و حرارة سكانها اللطفاء التي حكى عنها من سبقونا الى زيارتها، ومتعة السفر التي لا يمكن ان ينكرها أي أحد ، فالسفر فرصة تسعد الانسان وتخرجه من روتينه اليومي.وهكذا تقدم بنا الحديث الشيق،لتعلن لي أنهامنهكة بعض الشيئ وفي حاجة ماسة للراحة ،لكونها قامت بتنظيم البيت وتنظيفه قبل أن تلتحق بنا ،مؤكدة لي أنها تفعل ذلك عند كل مرة كانت تحزم فيها حقائبها للاستجمام. معللة هذا بخوفها الشديد من أن تتعرض هي وأهلها لحادثة ما( لا قدر الله ) ، لذالا بد ان يكون البيت العائلي في غاية النظام تحسبا لهذا الطارئ ، الناس لا يرحمون حتى في حالة الموت ،ولا يتوقفون عن إبداء رأيهم بخصوص كل شيئ ، من هنافالمنزل يجب ان يكون دائما معدا لاحتضان هذه الأحداث ، لأن الانسان حين يغادره لا يعلم إن كان سيعود اليه حيا .

وجدت نفسي وأنا استمع اليها ،في حالة تعجب وذهول حقيقين ،لم أستطع أن أمنع نفسي من التعبير لها عن امتعاضي مما صرحت به ، لم أكن أتوقع أن المرء يمكنه أن يحسب للناس الغرباء كل هذا الحساب ،وأن يرضيهم ويجمل صورته أمامهم ، حتى وهو جثة هامدة .

لم أخف عنها استغرابي،ولا استنكاري لما قالته .

ـ كيف لك ان تفكري في الاخرين الى هذا الحد ،وفيما سيقولونه عنك ، وعن بيتك …وأنت لم تعودي من ساكنة هذا العالم ؟

ـ كيف أنك تفكرين بالموت الرهيب وانت بصدد خوض رحلة ممتعة مع أفراد أسرتك ؟

ماذا سيغير حكم الاخرين عنك ،وانت قد فقدت حياتك التي أراها هنا اهم شيئ يمكن ان تفكري به ؟

ابتسمت لي وقالت ، هكذا تربيت داخل أسرتي التي غادرتها إلى بيت الزوجية في سن الثامنة عشرة ، حيث كانت والدتي تردد على مسامعي في كل مرة أن على الزوجة أن تكون دائما حريصة على أن يكون بيتها في منتهى التنظيم ،لأن عليها أن تترك دائما انطباعا لدى زواره بأنها سيدة حاذقة ،وبهذا ستنال إعجابهم /ن وتقديرهم

وأردفت قائلة ، أعرف أن إرضاء الناس صعب ، لكنني أحاول دائما أن أتوفق في ذلك ،حتى مع زوجي ..

صمتت ، ثم تابعت حديثها ، لتخبرني أنها تزوجت وهي التي كانت تحمل أحلاما كثيرة ، لم تكن بالراغبة في الزواج قبل إنهاء تعليمها ، وقبل أن تحصل على وظيفة ما، لكن القدر وضعها في أسرة لا تقبل بهذا، وكان أن زوجتها من رجل يؤمن لها ولا طفالها كل شيئ ، أو على الأقل ما هو ضروري .

لم تكن تشتكي إلا من كونها تشعر بالملل ، فعملها داخل البيت روتيني ، ويشعرها بالتعاسة .

كانت ترغب في مزاولة مهنة ما خارج البيت ، أو حتى داخله، فهي تتقن فن الخياطة ، وكانت تشتهي أن تصنع ملابسا وتبيعها حتى تذر عليها ربحا ، لكن الزوج عارض رغبتها تلك ،بحجة أن في هذا مس بكرامته كرجل قادر على تأمين متطلبات أهل بيته ،كماعادت لتحادثه بخصوص رغبتها في صنع الحلوى المغربية التقليدية ، وبهذا ستؤمن لنفسها استقلالا ماديا ، يغنيها عن أن تطلب منه في كل مرة أن يمدها بالمال لشراء لوازمها الخاصة ، وكذلك لتساعده على مواجهة متطلبات البيت والابناء. ومرة أخرى أجبرها على التخلي عن هذه الرغبات ما دام حيا يرزق .

لم يكن أبدا يطيق الحديث في هذه المواضيع ، كان ذلك يزعجه كثيرا .

كانت صادقة في قولها وأيضا جد محبطة ، شعرت أن لديها شعورا بالدونية إتجاه النساء العاملات خارج المنزل ، واللواتي حسبها غير محجور عليهن من طرف أزواجهن .

رددت غير ما مرة ، هذا هو قدري ، الحمد لله على كل شئ .

نظرت إلى طفلتها الصغيرة ، وهي تقول :

أنا سعيدة بها ، وخصوصا أن والدها يحلم أن تصبح يوما سيدة ذات شأن في المجتمع ،

سوف يتحقق لها ما لم أنجح أنا في تحقيقه ، ستكون امرأة ذات كرامة .

ابتسمت لي وگانها تطمئنني بأن لا أقلق لأجلها .

وضعت على وجهها قطعة قماش حريري، كي تخفف من سطوة الضوء المنبعث من نافدة الحافلة ، وغاصت في النوم .

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‏شاهد أيضا
Close
Back to top button