‏آخر المستجداتلحظة تفكير

ذ مولاي عبد الحكيم الزاوي: قضية الصحراء المغربية: سرديات غير مكتملة

الخصومات السياسية عابرة مثل الرياح، لكن المصالح المشتركة راسخة في جذور التربة

             يقال إن الاستعمار الولد الشقي للتاريخ. وراءه تستوطن مساحات واسعة من الندوب والجراح التي تسكن وجدان الشعوب المستعمَرة. يكفي فقط أن نحيل فقط على كلمة مخيمات الحمادة، وحده الاسم يحيل على الوجع “أَحْ- مادا”. في رواية “نزيف الحجر” يقول الروائي الليبي إبراهيم الكوني: “…في الصحراء يموت المرء بأحد النقيضين، العطش أو السيل…”. وقد يموت أيضا بفعل جمود وضع قائم على اللاحرب واللاسلم.

      بشأن قضية الصحراء يصادف الباحث في تاريخ المغرب سرديات غير مكتملة البناء. يحال الأمر في المقام الأول إلى بنية الإنتاج الاستوغرفي الذي يتيح عملية إعادة بناء وتركيب الوقائع[1]. وفي المقام الثاني، إلى تهيب المؤرخين الخوض في مجريات التاريخ القريب/ الساخن/ الفوري/ الراهن بتعبير الصحفي الفرنسي جان لاكوتير…مرد ذلك، مسألة المسافة مع الحدث. يُذكرنا ذلك بالنقاش المتواصل حول شرعية كتابة التاريخ الراهن، وحول التداخل بين عمل الصحفي وعمل المؤرخ، الأول يشتغل على مادة ساخنة، والثاني يشتغل على مادة باردة. ويزيد من تعقيد التحليل، مسألة تشكل قضية الصحراء في مناخ جيو تاريخي متشابك الخيوط، كانت فيه التناقضات أكبر من أن يتم استيعابها في مواقف واضحة للفهم والتحليل.

      وقتها كانت المنطقة المغاربية تعيش على صفيح ساخن، وقابلة لاحتمالات متعددة. فليبيا انقلبت على النظام الملكي السنوسي سنة 1969م بقيادة معمر القذافي، والجزائر وقعت في شراك انقلاب عسكري أطاح بأحمد بن بلة وصعد بالهواري بومدين سنة 1965، وموريتانيا عاشت انقلابا مماثلا ضد الرئيس المختار ولد دادة الذي سرعان ما سيتم الانقلاب عليه هو الآخر من طرف محمد ولد الولي. كان المغرب وقتها لم يرسي بعد معالم الدولة الحديثة بسبب عنف التجاذب السياسي الحاد بين المؤسسة الملكية وأحزاب الحركة الوطنية.

        في خضم هذه التحولات الجارفة، نشأت حركة بوليساريو، في البداية كانت حركة تحرير موجهة ضد الاستعمار الاسباني في الصحراء، وبعدها تحولت إلى حركة انفصال ضد الوطن الأم قبل أن تتصيدها رياح الأطراف المتنافسة نحو الهيمنة بالمنطقة والدول ذات الحنين الاستعماري. لحظتها كان هناك منطقان يتصارعان في حلبة ضيقة لا تحتمل التعايش: حركة شباب صحراوي متشبع بأفكار راديكالية من داخل الجامعة المغربية، وحركة رسمية موغلة في التحفظ والإذعان لأساليب المفاوضات والديبلوماسية. يُسِر مصطفى الوالي السيد أحد مؤسسي الجبهة في حوار فيما يمكن أن يمثل لحظة بوح حميمي ومكاشفة مع الذات واعتراف بما يلي: “…لقد أخطأنا في حق شعبنا، وأجرمنا في حق المنطقة ككل…” بين هذين الحدين يتحدد مسار قضية الصحراء، من لحظة عطش إلى الحرية نحو لحظة تعقد المصالح وتشابك الخيوط…من نضال ضد الاستعمار الاسباني إلى نضال ضد الوطن…لحظة انزياح حملت معها أوجاعا وندوبا لم تشف بعد من جسد الوطن.

     من يقرأ تاريخ المغرب، تتبدى له ملاحظة أساسية: الهامش كان دوما يصنع تاريخ المركز، من مرابطي الصحراء إلى موحدي الأطلس وعلويي تافيلالت…في المقابل، ادعت الأطروحة الاسبانية وقت دخولها إلى الصحراء مُوفى نهاية القرن التاسع عشر 1884م أن المنطقة كانت أرض خلاء يحق توطينها وإعمارها، وهذه حقيقة لا تصمد تاريخيا، حينما نقابلها بالمقاومة الصحراوية التي وقفت في وجه الاستعمار الاسباني.

     خطيئة الولادة جعلت الجبهة مرتهنة دوما إلى مانحي المال والسلاح، وبيد الدول التي لها طموحات سياسية أو اقتصادية تنقلت من خلالها من صناعة ليبية إلى رهينة جزائرية. لحظة التحول في مسار القضية، ارتهنت بنهاية التقاطب الإيديولوجي بين المعسكرين. منذ ذلك الوقت، صرنا أمام وضع ستاتيكو قائم على اللاحرب واللاسلم، أدخل قسرا جبهة البوليساريو في وضع احتضار سريري من خلال وقف إطلاق النار سنة 1991.

     بعد الاستقلال، ورث المغرب وضعا صعبا، تجاذب حاد بين السلطة السياسية وأحزاب الحركة الوطنية وجيش التحرير الرافض لوضع السلاح دون استكمال مهمته العسكرية، وزاد من عمق التجاذب تشكل مناخ إيديولوجي داخل الجامعة المغربية يغلي بأفكار ثورية تتشوف نحو الإطاحة بالنظام الملكي. لكل فاعل سياسي وقتها رهاناته: القصر يريد تقوية موقعه السياسي وإقصاء كل الفاعلين المعارضين، أحزاب الحركة الوطنية ترى نفسها تحمل شرعية تدبير مرحلة ما بعد الاستقلال، بينما جيش التحرير لا يحيد عن خيار رفع السلاح في وجه الاستعمار…بالنهاية، زاد تباعد وجهات النظر وخيارات الفاعلين السياسيين في تعميق سوء الفهم. وقد تتضح دلالة هذا الارتباك في محطة إيكوفيون سنة 1958 التي حاول من خلالها الاستعمار الاسباني ترسيم الاستيطان في الساقية الحمراء ووادي الذهب واعتبارهما مقاطعتين اسبانيتين. في إيكوفيون عاين أبناء جيش التحرير تقارب الدولة المغربية مع الاستعمار الاسباني لتصفية رموز جيش التحرير. من هنا تولدت فكرة تأسيس الجبهة.

      عودة بالتاريخ إلى الوراء، وتحديدا إلى سنة 1963، الجرح الغائر الذي لا يزال يفعل فعله في الحاضر المغاربي، حرب الرمال بين المغرب والجزائر، لم تستسغ الجزائر وقتها التي كانت تسوق لفكرة أقوى جبهة تحريرية في العالم الثالث أن تندحر أمام المغرب، وظلت تردد دوما على لسان رئيسها أحمد بن بلة “حكرونا المراركة”. كان لهذا الاشتباك أن غير نظرة الجزائر نحو المغرب. صاحب ذلك في سنة 1965 غليان اجتماعي في المغرب، وانهيار الملكيات، واتساع المد القومي والأنظمة العسكراتية “مصر” والمد الثوري “حركة الفيتكونغ” لكل من غيفارا وماوتسي تونغ، واندلاع ثورة الطلاب سنة 1986 في فرنسا.

    في ميدان الصحراء، لا يجب أن نحجب عن جزئية هامة ترتبط بالشيوعيين الاسبان. لقد عمد هؤلاء المنفيين من اسبانيا من طرف الجنرال فرانكو إلى تحريض سكان الصحراء من أجل الثورة على الاستعمار الاسباني، وساهم البعض منهم في إذكاء الوعي التحرري. في السياق ذاته، ستندلع سنة 1967 مقاومة محمد البصيري، رغم أن خلفياتها كانت ترتبط بنكسة 1967. أسس البصيري صحيفة الشهاب، ودفع نحو تشكيل ما سمي وقتئذ بالمنظمة الإسلامية لتحرير الصحراء من أجل تحرير الأقاليم الجنوبية. للأسف، هذه المقاومة أجهضت بسبب التدخل الاسباني، وتم اعتقال صاحبها سنة 1970 في انتفاضة العيون، قبل أن يلفظ أنفاسه تحت التعذيب. في هذه المقاومة، وهذا الأهم، رفعت شعارات في منطقة “الزملة” قرب العيون مثل “الله يهدن الأوطان وينصر السلطان”/ بفضلك يا سيدنا تصبح الصحراء بيدنا”.

        مع بداية السبعينات، ومن داخل حلقيات الحرم الجامعي ستتشكل حركة ثقافية صحراوية صاغت وثيقة “الوثيقة العشرية”. تضمنت الوثيقة عشرة مطالب رفعت إلى الإدارة الاستعمارية مثل إلزامية تعليم اللغة العربية، إدخال التربية الإسلامية، الحفاظ على مقومات الهوية المغربية…مطالب جوبهت بالرفض، وتم قمعها وقتل ثلاثين شخص رميا بالرصاص. كان ذلك، كافيا لأن تنتقل هذه المطالب من مطالب مدنية نحو مطالب مسلحة تطالب بجلاء الاستعمار الاسباني. في مظاهرة سنة 1971 في طانطان يتضح بجلاء هذا الانزياح ضد الاستعمار الاسباني. كان الرد قاسيا كما العادة، لكن هذه المرة على يد السلطات المغربية، وتلك حكاية صاغها بدهاء الجنرال محمد أوفقير من وراء ظهر الحسن الثاني[2]. في هذه اللحظة بالذات، بدأ برتسم توجه جبهة البوليساريو نحو الارتماء في حضن الأنظمة المعادية لما كان يسمى أنذاك بالأنظمة الرجعية الكومبرادورية.

       ضمن هذا المسار، يمكن أن نفهم تحركات المؤسس مصطفى الوالي السيد. قام الوالي السيد باتصالات مكثفة مع الأحزاب السياسية واليسارية لدعم استكمال تحرير الأقاليم الجنوبية، ووجه مذكرة إلى رؤساء الأحزاب الوطنية في يناير 1973، وهي عبارة عن مذكرة طويلة كتبت بخط يده ونشرت في مجلة أنفاس اليسارية على مدى سبعة أعداد…مذكرة يعاتب فيها الوالي السيد الأحزاب السياسية التخلي عن امتداد المغرب الجنوبي في الصحراء. كان الطلبة الصحراويون ينتمون إلى حركة 23 مارس وإلى الأمام…التي كانت مهووسة بخطة السيراماسترا لكل من غيفارا وكاسترو. وحتى إذا ما أردنا تتبع مسار الفصيل الإتحادي المغربي في هذه اللحظة، سنجد أن فكرة خلق وتأسيس البؤرة الثورية لشغل النظام ولدت سنة 1970 خاصة في المؤتمر الخامس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب التي تزامنت مع زيارة وزير خارجية اسبانيا لوبيز برافو Lopez Bravo وتسليم السلطات الاسبانية المعارضين المغربيين أحمد بن جلون وسعيد بونعيلات. نعلم الآن، أن المؤتمر الخامس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب هو الذي صعد بالتيار الجذري إلى قيادة المنظمة الطلابية.

     في كتابه ” بوح الذاكرة” لمبارك بودرقة”، وتخصيصا في الصفحات 321- 323 يقول: “…عندما انتهينا من إيقاف النزيف وتضميد الجراح إثر ما وقع في 3 مارس 1973 بخنيفرة ودار بوعزة أردنا ترسيخ هذا النهج بإيجاد بديل ثوري معقول وأكثر مصداقية. قلنا نحن أبناء الاتحاد ممن ارتضوا الكفاح المسلح خيارا، لم لا نفعل هذا الخيار في صحرائنا المحتلة من طرف الاسبان عوض تفعيله في خنيفرة أو تنغير أو الراشيدية؟”. من هنا قد نفهم، أن قمع مظاهرة طانطان كان رد فعل نظام الحسن الثاني اتجاه فكرة البؤرة الثورية. كما أننا لا يمكننا أن نعزل مسألة تأسيس جبهة البوليساريو وتنفيذها لأول عملية ضد أحد المراكز الاسبانية مع انعقاد مؤتمر 1973 الذي عرف بمؤتمر أكادير بحضور الحسن الثاني والرئيس الجزائري هواري بومدين والموريتاني المختار ولد دادة…

    بعد نجاح المسيرة الصحراء في ضمان التعبئة المجتمعية المفقودة وإحياء التلاحم بين القوى السياسية تحولت حركة البوليساريو سنة 1976 من حركة تحرر إلى حركة انفصال موجهة ضد الوطن بدعم مباشر من الجزائر. يقول الرئيس الجزائري الهواري بومدين في خطاب يعود إلى 24 فبراير من نفس السنة في شأن ذلك: “…في الواقع، يعتقد إخواننا المغاربة، أنهم ساعدونا في تحقيق استقلالنا عن فرنسا، الآن يتوجب علينا أن نساعدهم في التحرر من الملكية الاقطاعية التي باعتهم للغرب…”.

     في الاتجاه نفسه، يمكن أن نفهم عملية تهريب المؤتمر الثاني لجبهة البوليساريو إلى منطقة أم غريض بالجزائر التي حدثت سنة 1974، ونستفسر عن الظروف الغامضة والملتبسة لقتل مصطفى الوالي السيد في موريتانيا في اللحظة التي بدأ يراجع فيها أوراقه تجاه بلده.

     في حقيقة الأمر، مسألة ارتماء القادة المؤسسين في أحضان ليبيا والجزائر كانت نتيجة غياب تفهم عميق لمطالب الطلبة الصحراويين من طرف الأحزاب المغربية، وانهجاس الدولة المغربية بتغليب القبضة الحديدية على المؤسسات والمجتمع. صحيح أن المسيرة الخضراء كانت درسا في النجاح على مستوى تحقيق التعبئة الشعبية وتكسير الاصطفافات الإيديولوجية، وحجب التناقض الجوهري بين السلطة والمعارضة، لكنها لا تنهض بديلا لإعفاء الفاعليين السياسيين في المغرب من مسؤولياتهم تجاه ولادة قضية الصحراء. وحتى الجبهة، التي ظلت دائما مرتهنة بخطيئة النشأة، ظلت سجينة المربع الضيق الذي حشرت فيه، والذي لم يسمح لها بأن تكون أكثر من أداة طيعة وخنوعة بلا إرادة ولا قدرة على تغيير الوضع.

        بالنهاية، في قضية الصحراء، يجب أن يحضر النقد الذاتي، النقد المشترك، بدون إدانة أو اتهام أو تبرير…نقد زمن الأخطاء بعبارة الروائي المغربي محمد شكري. وتوطين كفاية القدرة على إعادة قراءة التاريخ بنوع من النقد الموسع، والتسلح بالجرأة في مواجهة سلطة الذاكرة التاريخية. قضية الصحراء اليوم تستدعي وجوبا جُهدا تنمويا لا يتم إلا بتحقيق مصالحات حقيقية مع أبناء المنطقة، مثلما تقتضي التوفر على شجاعة أخلاقية كبرى تزيل آثار الجراح عبر تقديم حلول منصفة وممكنة التحقق. دون أن نغفل عن تقوية الجبهة الديموقراطية الداخلية، والقضاء على اقتصاد الريع، وتكريس منظومة عقابية تربط بين المسؤولية والمحاسبة، زيادة على تبني مقاربة ديبلوماسية استباقية تتجاوز احتكار الدولة للملف وتدعم مبادرات الديبلوماسية الموازية، وأيضا، تفادي سياسة الكرسي الشاغر في منظمة الوحدة الافريقية والعودة إلى العمق الافريقي.


 [1] -يمكن الإحالة على بعض أصناف الإنتاج الاستوغرافي مثل المذكرات السياسية، وخاصة مذكرات القادة المؤسسين للجبهة لكل من مصطفى الوالي السيد ولحبيب البرزاني ومحمد الأمين القيادي، وأيضا محمد المدلاوي المنبهي حول قضية الصحراء: عودة إلى تطوير الخطاب والممارسة في المغرب، يومية الأحداث المغربية، 17 نونبر 2004. وبعض السير الذاتية مثل سيرة الفقيه البصري: كتاب العبرة والوفاء، حوار حسن نجمي، الطبعة الأولى، منشورات مؤسسة محمد الزرقطوني للثقافة والأبحاث.

[2]محمد المعزوزي في كتابه “نصف قرن من أجل وحدتنا الترابية” يتحدث على ممثلي المغرب أوفقير والمذبوح اللذان تخليا بشكل سري عن مساحات شاسعة من التراب المغربي لصالح الجزائر…لنتذكر أيضا أن أوفقير هو من قمع تظاهرة السكان الصحراويين في طانطان في ربيع 1971، وأدخل العديد من الصحراويين إلى السجون. حينما نستقرأ سيرة مؤسسي البوليساريو سنجد أن جُلهم من مواليد طانطان وأغلبهم من أبناء جنود في جيش التحرير. فعلام يحيل ذلك؟

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Back to top button