كش بريس/خاص ـ
تتواصل تداعيات مأساة سبتة، التي وقعت في 30 يوليوز الماضي، في المشهد السياسي الإسباني، بعدما تحولت قضية المهاجرين العالقين في المدينة إلى ملف ضاغط على حكومة مدريد، وسط دعوات أوروبية لإعادتهم إلى المغرب، وتصعيد متزايد من المعارضة اليمينية التي تسعى إلى نقل القضية إلى المؤسسات الأوروبية وتقديمها باعتبارها أزمة مرتبطة بأمن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وفي أحدث تطور للملف، أعلن متحدث باسم المفوضية الأوروبية، خلال ندوة صحافية مباشرة عبر الإنترنت، أن على إسبانيا إعادة المهاجرين الذين دخلوا سبتة إلى المغرب، بمن فيهم القاصرون، معتبراً أن الإعادة تمثل، في نظر المفوضية، المسار الملائم لمعالجة الوضع القائم.
ويقدر عدد المهاجرين الذين ما زالوا في سبتة بنحو أربعة آلاف شخص، من أصل قرابة 80 ألفاً دخلوا المدينة خلال الاقتحام الجماعي في 30 يوليوز. وخلفت المأساة 141 وفاة غرقاً، معظمهم من المغاربة، فيما لا تزال جثامين أكثر من نصف الضحايا في سبتة في انتظار استكمال إجراءات الدفن.
ويأتي الموقف الأوروبي للمرة الثانية في اتجاه الدعوة إلى إعادة المشاركين في الاقتحام، غير أن توصية المفوضية لا تحمل طابعاً إلزامياً بالنسبة إلى الحكومة الإسبانية، كما تصطدم، خصوصاً في ما يتعلق بالقاصرين، بإطار قانوني معقد تفرضه التشريعات الإسبانية والأوروبية والاتفاقيات الدولية التي تشترط احترام إجراءات وضمانات خاصة قبل إعادة الأطفال غير المصحوبين.
المعارضة تستثمر الأزمة وتفتح المسار الأوروبي
ويمنح الموقف الأوروبي المعارضة اليمينية الإسبانية ورقة سياسية جديدة في مواجهة حكومة الاشتراكي بيدرو سانشيز. فقد كثف الحزب الشعبي وحزب «فوكس» ضغوطهما على الحكومة، متهمين إياها بالعجز عن تدبير تداعيات الأزمة وبالتساهل، وفق خطاب المعارضة، مع المغرب في ملف إعادة المهاجرين والقاصرين.
وتتجه المعارضة إلى توسيع دائرة الاشتباك السياسي من المستوى الوطني إلى المؤسسات الأوروبية، في محاولة لإعادة تقديم أزمة سبتة باعتبارها قضية تتعلق بحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وفي هذا السياق، أعلن خوانما مورينو، رئيس حكومة إقليم الأندلس والقيادي في الحزب الشعبي، عزمه نقل ملف سبتة إلى المؤسسات الأوروبية المختصة بالأقاليم، مستنداً إلى قرار للبرلمان الأوروبي صدر في يونيو 2021، واعتبر آنذاك سبتة ومليلية جزءاً من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
ويكتسب هذا المعطى أهمية خاصة بالنظر إلى أن المؤسسات الأوروبية ظلت، لسنوات، حذرة في مقاربة وضع المدينتين بسبب خلفيتهما الاستعمارية، قبل أن يفرض اقتحام مايو 2021 سياقاً سياسياً جديداً، دفع البرلمان الأوروبي إلى التعامل معهما من زاوية أمن الحدود الأوروبية.
خطاب تصعيدي يربط الهجرة بالنزاع حول سبتة
وفي سبتة نفسها، يتخذ الخطاب السياسي منحى أكثر حدة تجاه المغرب. فقد عاد خيسوس فيفاس، رئيس حكومة الحكم الذاتي في المدينة والمنتمي إلى الحزب الشعبي، إلى الربط بين موجات الاقتحام الجماعي وبين ما يعتبره استراتيجية مغربية لاستعادة سبتة ومليلية.
وفي تصريحات أدلى بها الأربعاء أمام وسائل إعلام دولية، وضع فيفاس ملف القاصرين في قلب المواجهة السياسية مع الرباط، متسائلاً عن قدرة المغرب على استضافة هؤلاء الأطفال، في الوقت الذي يستعد فيه لتنظيم كأس العالم إلى جانب إسبانيا والبرتغال.
وتكشف هذه المقارنة عن انتقال الخطاب من معالجة قضية إنسانية وقانونية مرتبطة بالقاصرين إلى توظيفها في سجال سياسي أوسع حول مسؤولية المغرب، وعلاقته بإسبانيا، ومستقبل سبتة ومليلية.
وتعكس تغطيات إعلامية إسبانية، من بينها صحيفة «لاراثون»، أن تصريحات فيفاس تندرج ضمن استراتيجية سياسية وتواصلية تستهدف تحميل الرباط مسؤولية استمرار أزمة القاصرين، والضغط على الحكومة المركزية لاتخاذ موقف أكثر تشدداً.
القاصرون.. العقدة القانونية والسياسية
ويظل ملف القاصرين المغاربة الأكثر حساسية في هذه الأزمة، إذ يتجاوز عددهم في سبتة 2700 قاصر، دخل أكثر من 2100 منهم خلال الاقتحام الجماعي الأخير.
وفي الوقت الذي سبق لوزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي أن أعلن استعداد المغرب لاستقبال القاصرين، تتمسك الحكومة الإسبانية بضرورة احترام الإجراءات القانونية المنصوص عليها في التشريع الإسباني والاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية الأطفال.
وهنا تتقاطع الحسابات السياسية مع القيود القانونية؛ فالدعوة إلى الإعادة قد تبدو، من منظور سياسي وأمني، حلاً سريعاً، لكنها لا تعني بالضرورة إمكانية تنفيذها فوراً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقاصرين يفترض أن تخضع إعادتهم إلى تقييمات وإجراءات وضمانات محددة.
وبذلك، تبدو أزمة سبتة أمام مسارين متوازيين: مسار قانوني وإنساني يتعلق بمصير آلاف المهاجرين، وفي مقدمتهم القاصرون، ومسار سياسي يتجه إلى إعادة إدراج المدينة في صلب النقاش الأوروبي حول الحدود والهجرة والعلاقة مع المغرب.
والأخطر أن مأساة يوليوز، بما خلفته من وفيات وضحايا، بدأت تتحول من ملف إنساني وقانوني إلى ورقة في الصراع السياسي الإسباني، حيث تتقاطع الهجرة مع أمن الحدود، وتتداخل العلاقة مع المغرب مع الحسابات الانتخابية، بينما يظل مصير آلاف المهاجرين والقاصرين عالقاً بين اعتبارات السياسة ومتطلبات القانون.

مصطفى بنعزوز يكتب: كولاجات قابلة للتأويل (حناء…وملح)
سبتة.. تقرير مدني يرصد تشددا تجاه المهاجرين وتصاعدا لخطاب الكراهية
تقرير أممي يرصد فجوات حادة في خدمات النظافة والصرف الصحي بالمؤسسات الصحية المغربية
مجلس الدار البيضاء يوافق على نقل استغلال «ليدو» إلى شركة مرتبطة بـ«أطلس هوسبيتاليتي»