سبتة.. تقرير مدني يرصد تشددا تجاه المهاجرين وتصاعدا لخطاب الكراهية

كش بريس/التحرير ـ رصد «المجلس المدني لمكافحة جميع أشكال التمييز» استمرار الوضع المتوتر في مدينة سبتة المحتلة، إلى غاية مساء الجمعة الماضي، مسجلاً تصاعد مظاهر الوصم والخطاب المعادي للمهاجرين، ومطالبًا سلطات المدينة بالكشف عن الأسس التي اعتمدتها في تحديد ديانة عدد من المتوفين الذين جرى دفنهم خلال الأزمة الأخيرة.

وجاء ذلك ضمن النشرة رقم 9، التي أعدها المجلس بشراكة مع معهد «بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان»، والتي توقفت عند عدد من الوقائع المرتبطة بأوضاع المهاجرين في المدينة، من بينها تعرض أشخاص من أصل مغربي لقيود مشددة عند محاولة دخول بعض المحلات التجارية.

واعتبر المجلس أن ضمان حصول الأشخاص الموجودين في سبتة على حاجياتهم الأساسية ينبغي أن يتم في ظروف تحفظ كرامتهم وتمنع أي تمييز قائم على الأصل أو الجنسية أو الوضع المفترض للأشخاص.

وشدد التقرير على ضرورة الفصل بين التدابير العامة الرامية إلى تنظيم تدفقات الأشخاص، والتي يمكن أن تستند إلى اعتبارات موضوعية مرتبطة بالأمن أو تدبير الاكتظاظ، وبين الممارسات التي قد تفضي فعليًا إلى منع شخص من دخول متجر أو تقييد ولوجه بسبب أصله أو جنسيته أو وضعه الهجري المفترض.

نقل المهاجرين إلى مراكز جديدة.. خطوة مشروطة بضمانات

واعتبر المجلس أن نقل المهاجرين الذين كانوا متواجدين في شاطئ «ترامبولين» إلى مراكز استقبال جديدة يمثل، من حيث المبدأ، تطورًا إيجابيًا، غير أنه شدد على ضرورة أن تواكب هذه العملية ضمانات ملموسة تكفل الأمن والإيواء والتغذية والرعاية الصحية والحصول على المعلومات والحماية، مع إيلاء عناية خاصة للأشخاص الأكثر هشاشة.

وتم توزيع الأشخاص الذين شملتهم عملية النقل على عدد من مراكز الاستقبال، من بينها «لوما مارغريتا» و«إنبولسامينتو دي لوما كولمينار».

كما توقف التقرير عند الاحتجاجات التي شهدها حي «لوما كولمينار» عقب افتتاح مركز استقبال جديد، داعيًا إلى حماية المهاجرين المنقولين من أي ممارسات ترهيبية أو تمييزية، بالتوازي مع فتح قنوات للحوار مع السكان المحليين والاستماع إلى مخاوفهم، دون أن يتحول ذلك إلى مساس بحقوق الأشخاص المستفيدين من خدمات الإيواء.

نقص المعطيات يعرقل التتبع المستقل

وانتقد المجلس ما وصفه بـ«غياب بيانات مفصلة بشكل كاف» حول الأشخاص الذين شملتهم عمليات النقل، في المعلومات المتاحة للعموم، داعيًا السلطات الإسبانية إلى نشر معطيات مجمعة ومجهولة الهوية تتيح معرفة العدد الإجمالي للمستفيدين من عمليات النقل، إلى جانب توزيعهم حسب الجنس والفئات العمرية والجنسية.

وطالب التقرير، كذلك، بالكشف عن أعداد النساء والأطفال والقاصرين غير المرفقين، فضلاً عن عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى رعاية طبية، وأولئك الراغبين في الولوج إلى إجراءات اللجوء أو غيرها من أشكال الحماية.

كما دعا إلى نشر أعداد الأشخاص المستقبَلين فعليًا في كل مركز، معتبرًا أن توفير هذه البيانات يشكل شرطًا أساسيًا لتمكين جهات مستقلة من تقييم مدى ملاءمة ظروف الاستقبال وجودة الرعاية المقدمة للمهاجرين.

دفن المتوفين.. أسئلة حول تحديد الهوية الدينية

وأثار التقرير أيضًا إشكالات مرتبطة بعملية دفن جثامين الأشخاص الذين لقوا حتفهم خلال الأزمة، منتقدًا ما اعتبره غموضًا في المعايير التي اعتمدتها السلطات لتحديد ديانة بعض المتوفين مجهولي الهوية.

وطالب المجلس بالكشف عن الأسس التي استندت إليها عملية تحديد الانتماء الديني، وما إذا كانت قد اعتمدت على معطيات جمعتها مصالح الطب الشرعي، أو أغراض شخصية ورموز دينية عثر عليها مع الجثامين، أو معلومات سابقة عن المتوفين، أو معطيات قدمتها عائلاتهم أو السلطات المغربية، أو شهادات أشخاص كانوا يعرفونهم، أو أي مصادر أخرى يمكن أن تثبت هويتهم الدينية.

وتوقف التقرير عند مسألة الختان، الذي قد يظهر خلال الفحوصات الطبية الشرعية لدى بعض الرجال، موضحًا أنه يمكن أن يشكل عنصرًا قابلًا للتوثيق، لكنه لا يصلح معيارًا عامًا، ولا يمكن اعتماده بالنسبة إلى النساء، كما لا يمكن اعتباره دليلًا حاسمًا بمفرده على الانتماء الديني.

وشدد المجلس على أن أي طقس جنائزي ينبغي أن يستند إلى معطيات موثوقة بالقدر الكافي، وأن يحترم، قدر الإمكان، هوية المتوفى وقناعاته الدينية وإرادته المفترضة.

مواقع التواصل.. تصعيد للوصم المعادي للمهاجرين

وسجل التقرير، الذي يغطي الفترة الممتدة بين 17 و21 غشت الجاري، تصاعد مضامين معادية للهجرة على منصات التواصل الاجتماعي، من خلال تداول خطابات تربط وجود المهاجرين بتدهور أوضاع المجتمعات المستقبِلة.

وحذر المجلس من أن هذا النوع من الخطاب يسهم في ترسيخ الوصم وتجريد المهاجرين من إنسانيتهم، خصوصًا عندما ينتشر عبر حسابات تحظى بمتابعة واسعة وتأثير كبير.

كما دعا إلى توخي الحذر في استخدام أوصاف مثل «المهاجر الاقتصادي»، موضحًا أن هذا التعبير لا يمثل فئة قانونية معترفًا بها في القانون الدولي، وأن إطلاقه قبل دراسة الوضع الفردي لكل شخص قد يؤدي إلى أحكام مسبقة تمس حقه في طلب الحماية.

وطالب المجلس وسائل الإعلام بالتركيز على الوقائع والمعطيات، وتجنب التصنيفات التي تختزل المسارات المعقدة للهجرة في أوصاف جاهزة.

وحذر كذلك من أن تبني هذه المضامين أو تضخيمها من طرف حسابات مؤثرة قد يضفي شرعية على الخطابات التمييزية، ويسهم في تعميق التوتر بين المهاجرين والسكان المحليين.

انتهاك الخصوصية يتحول إلى «محاكمة مجتمعية»

وتوقف التقرير عند قضية شابة مغربية، يشار إليها بالأحرف الأولى «و.ع»، كانت من بين المهاجرين الموجودين في سبتة، وذلك بعد إدلائها بتصريح صحافي لجريدة «إلباييس» الإسبانية.

وأشار المجلس إلى تداول مضامين على شبكات التواصل الاجتماعي ركزت على تفاصيل من حياتها الخاصة، من خلال البحث في منشورات وصور سابقة بحساباتها الشخصية وإعادة نشرها والتعليق عليها.

وبحسب التقرير، استُخدمت هذه المعطيات لمحاولة إثبات أن الشابة كانت تعيش في ظروف جيدة بالمغرب، وبالتالي التشكيك في وجود أسباب مشروعة دفعتها إلى مغادرة البلاد.

واعتبر المجلس أن إخضاع الحياة الخاصة لشخص عبر الحدود للتفتيش العلني بهدف الطعن في مشروعية مغادرته لبلده يمثل ممارسة مقلقة، لأنها تنقل النقاش من فحص أسباب الهجرة وفق معايير موضوعية إلى إصدار أحكام اجتماعية وأخلاقية على حياة المهاجر.

وحذر من أن هذا المسار قد يفضي إلى ما وصفه بـ«محاكمة مجتمعية حقيقية»، تتحول فيها تفاصيل السفر والملابس والعلاقات الشخصية ومستوى المعيشة السابق والمنشورات الرقمية إلى أدوات للحكم على ما إذا كان الشخص «فقيرًا بما يكفي»، أو «هشًا بما يكفي»، أو «شرعيًا بما يكفي» حتى يستحق الهجرة أو الحماية.

ويضع التقرير بذلك قضية سبتة أمام معادلة تتجاوز تدبير تدفقات الهجرة، لتلامس حدودًا أكثر حساسية تتعلق بالكرامة الإنسانية، والحق في الخصوصية، وعدم التمييز، وحماية الأشخاص في أوضاع الهشاشة.

Exit mobile version