كش بريس من سلا/ الفريقي م عبد السلاام ـ
في قلب مدينة سلا، حيث تتقاطع الذاكرة الصوفية مع فنون الاحتفال الشعبي، يتجدد في الحادي عشر من ربيع الأول من كل عام واحد من أعرق المواسم المغربية وأكثرها فرادة: موسم الشموع، أو «دور الشمع»، احتفال ديني وفني ارتبط بذكرى المولد النبوي الشريف، وتحولت فيه الشموع من وسيلة للإنارة إلى أعمال فنية تحمل ذاكرة المدينة وتختزن جانباً من هويتها الروحية والجمالية.

لا تشبه شموع سلا تلك التي يعرفها الناس في حياتهم اليومية؛ فهي هياكل فنية ضخمة تُصنع من الخشب السميك، ثم تكسى وتزخرف بطبقات الشمع الملون، لتتخذ أشكالاً مستوحاة من العمارة الإسلامية، كالمآذن والقباب وغيرها من التكوينات الهندسية. وقد يصل وزن بعضها إلى نحو 50 كيلوغراماً، فيما تتزين بألوان متعددة، بينها الأبيض والأحمر والأخضر والأصفر، وبنقوش وعبارات ذات حمولة دينية وروحية، من قبيل «الله» و«بركة محمد»، في توليف يجمع بين الصناعة التقليدية وفن الزخرفة والرمزية الصوفية.
ومع حلول عصر الحادي عشر من ربيع الأول، تبدأ المدينة في ارتداء طقسها الاحتفالي. فمن محيط السوق الكبير، بالقرب من دار صانع الشموع، ينطلق موكب الشموع في اتجاه ضريح الولي الصالح مولاي عبد الله بن حسون، وسط قرع الطبول وإيقاعات الموسيقى والأناشيد، بمشاركة فرق صوفية وفلكلورية وأهل المدينة وزوارها.
ويتقدم الموكب نقيب الزاوية الحسونية، تليه فرقة «الطبجية» بلباسها التقليدي، بينما يحمل المشاركون الشموع المزخرفة ويجوبون بها أزقة وشوارع المدينة، قبل المرور بساحة الشهداء، عند باب بوحاجة، حيث تقام المنصة الرسمية، ثم يواصل الموكب مساره نحو دار الشرفاء، حيث تتواصل مظاهر الاحتفال في أجواء تستقطب أعداداً كبيرة من السلاويين، ولا سيما النساء والأطفال.
ولا تنتهي الحكاية بانتهاء الموكب. فبعد الاستعراض تقام مأدبة عشاء بدار الشرفاء لفائدة المشاركين، قبل أن يتوجه الجميع إلى زاوية مولاي عبد الله بن حسون، حيث تبلغ الاحتفالات ذروتها مع «رقصة الشمعة»، التي تؤدى على إيقاعات الموسيقى الأندلسية، تليها جلسات المديح والسماع وإنشاد الأمداح النبوية.

وتحمل هذه الشموع أيضاً ذاكرة حرفية تتوارثها عائلات ارتبط اسمها بصناعتها وزخرفتها. فقد ظلت شموع الموسم تُحفظ في ضريح مولاي عبد الله بن حسون قرابة عام كامل، قبل أن تنقل، قبل حلول ذكرى المولد بنحو شهر، إلى ورشة صانع الشموع لإعادة تزيينها وإعدادها للموكب. وتعاقبت على هذه الحرفة أسر عديدة، من بينها عائلة أوبيا التي يرجع حضورها في صناعة الشموع إلى نحو أربعة قرون ونصف، ثم عائلات المير والحسيني والمرنيسي، وصولاً إلى عائلة شقرون التي انقطعت عن ممارسة هذه الحرفة.
وتختلف شموع الموسم السلاوي جذرياً عن الشموع التقليدية؛ إذ تقوم صناعتها على هياكل خشبية سميكة تشبه في تشكيلها مآذن المساجد، تغطى بالورق الأبيض، ثم تكسى بأزهار الشمع الملونة وتنتظم في تشكيلات هندسية دقيقة تستلهم جماليات الفن الإسلامي، لتتحول في نهاية المطاف إلى مجسمات احتفالية تحملها الأيدي في فضاء المدينة.
وترجع الرواية التاريخية المتداولة حول نشأة هذا التقليد إلى السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي، الذي يُقال إنه شاهد، قبل توليه الحكم، استعراضاً للشموع في إسطنبول، فأعجب به وتعهد بأن يقيم في المغرب احتفالاً مماثلاً، أو يتجاوزه روعة. وبعد اعتلائه العرش، ارتبط أول استعراض للشموع في سلا بسنة 986هـ، لتتحول المناسبة، مع مرور الزمن، إلى تقليد راسخ في الذاكرة الجماعية للمدينة.
ومنذ ذلك التاريخ، لم تعد «دور الشمع» مجرد طقس احتفالي مرتبط بذكرى المولد النبوي، بل غدت مشهداً سنوياً تتجاور فيه الروحانية مع الفن، والصناعة التقليدية مع الذاكرة، والموسيقى الصوفية مع الفضاء الحضري. إنها لحظة تستعيد فيها سلا صورتها القديمة، وتخرج ذاكرتها من الكتب والبيوت والزوايا إلى الشارع، محمولة على أكتاف المحتفلين في هيئة شموع مضيئة.
وتقام فعاليات موسم الشموع تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وتستمر مظاهره الاحتفالية على امتداد أيام الموسم، بما يجعل «دور الشمع» واحداً من الطقوس التي حافظت على حضورها في المشهد الثقافي المغربي، باعتبارها تعبيراً عن خصوصية سلا الدينية والتاريخية، وعن قدرة المدينة على تحويل الذاكرة إلى احتفال حي يتجدد كل عام.


د منصور مالك (لندن): من ذروة المادّية إلى عصر الروحانية
28 قتيلاً وأكثر من 2800 جريح في حوادث السير بالمناطق الحضرية خلال أسبوع
«العمل الوطنية من أجل فلسطين» تندد بزيارة ريغيف إلى المغرب وتستنكر التضييق على المحتجين
وثيقة أوروبية تدق ناقوس الخطر بشأن الرياضة والثقافة في التعليم المغربي