‏آخر المستجداتفنون وثقافة

في قلب جامعة كاثوليكية عريقة…رمضان يفتح آفاق الحوار والتلاقي

تقرير التجاني بولعوالي

جامعة لوفان الكاثوليكية – بلجيكا

تواصل كلية اللاهوت والدراسات الدينية بجامعة لوفان الكاثوليكية في بلجيكا تقليدها السنوي بتنظيم النسخة الخامسة من الإفطار الرمضاني الأكاديمي، الذي احتضنته رحاب الجامعة بمدينة لوفان مساء الأربعاء 11 مارس 2026، الموافق لـ 22 رمضان 1447هـ. ويعد هذا الحدث مناسبة متميزة تجمع بين البعد الروحي والبعد الأكاديمي في فضاء جامعي عريق، كما يشكل لحظة إنسانية وثقافية للتعارف والتلاقي بين أفراد من خلفيات ثقافية ودينية متنوعة.

وقد شهدت هذه الفعالية حضورا لافتا ناهز الثمانين شخصا من مختلف الثقافات والعقائد، من بينهم عميدة كلية اللاهوت ونوابها وعدد من الأساتذة والباحثين والطلبة، إضافة إلى ضيوف من خارج الجامعة. وتميز اللقاء بانفتاحه على المسلمين وغير المسلمين على حد سواء، في تجسيد حي لقيم الحوار والتعايش التي تسعى الجامعة إلى ترسيخها في المجتمع البلجيكي المتعدد.

وكما جرت العادة في كل عام، شكل هذا الإفطار لحظة ملهمة انغمس خلالها الحاضرون في أجواء روحية وإنسانية عميقة، حيث برزت القيم الأخلاقية المشتركة التي تعزز التعاون والتفاهم بين مكونات المجتمع. وما يميز هذا الإفطار عن غيره من مئات الإفطارات التي تُنظم في مدن بلجيكا وأوروبا هو طابعه الأكاديمي والمعرفي من جهة، وطابعه الرمزي والروحي من جهة أخرى. ففي هذا اللقاء يلتقي عالم الجامعة – من عمادة وأساتذة وطلبة – في تفاعل عفوي يفتح المجال لطرح أسئلة المعرفة والبحث والتفكير المشترك.

كما يتجلى في هذه المناسبة حضورٌ رمزي واضح للهوية الإسلامية من خلال مظاهر متعددة، مثل اللباس التقليدي، والأطعمة الرمضانية، وتلاوة القرآن الكريم، ورفع الأذان، فضلا عن الموسيقى العربية الكلاسيكية. ويكتسب هذا المشهد دلالة خاصة عندما يقام داخل جامعة كاثوليكية عريقة تأسست سنة 1425 بدعم من الفاتيكان، في مرحلة تاريخية اتسمت بالصراع بين العالمين المسيحي والإسلامي، ليصبح اليوم فضاء للحوار والتقارب بين الأديان والثقافات.

وقد تميز برنامج الإفطار بتنوع فقراته وجاذبية محتواه. فإلى جانب الكلمات الترحيبية، تضمن البرنامج أنشطة روحية وثقافية متعددة، من بينها تلاوة للقرآن الكريم من سورة مريم حول قصة الميلاد المعجز للنبي عيسى عليه السلام، إضافة إلى مقطوعات موسيقية عربية على آلة العود، ومحاضرة أكاديمية مركزة حول المشترك الإبراهيمي بين الإسلام والمسيحية.

وافتُتح اللقاء بتلاوة مؤثرة للقرآن الكريم بصوت الإمام التركي الأصل خليل أوتشاكيلديز، أعقبتها كلمة ترحيبية ألقاها الدكتور التجاني بولعوالي نيابة عن الجهة المنظمة وقسم الدراسات الإسلامية في كلية اللاهوت والدراسات الدينية. وهو أستاذ وباحث بجامعة لوفان ومنسق لماستر الأديان الكونية – مسار الدراسات الإسلامية – إضافة إلى إشرافه على عدد من التكوينات الإسلامية في الكلية. وأشار بولعوالي في كلمته إلى أن هذا الإفطار أصبح تقليدا سنويا تحرص الكلية على دعمه ماديا ولوجستيا وتنظيميا، كما يُعد المبادرة الأكاديمية الوحيدة من نوعها في بلجيكا. كما أكد أن كلية اللاهوت والدراسات الدينية باتت تشكل مرجعية أكاديمية رائدة في مجال الدراسات الإسلامية في بلجيكا ومنطقة فلاندرز.

بعد ذلك، ألقت عميدة الكلية البروفيسورة بينيديكت ليميلين كلمة عبّرت فيها عن سعادتها الكبيرة باستمرار هذه المبادرة المتميزة التي تجمع بين الأبعاد الأكاديمية والثقافية والروحية. وأوضحت أن شهر رمضان أصبح في بلجيكا عاملا مهما لتعزيز الروابط بين مختلف مكونات المجتمع، حيث يجتمع الناس حول قيم مشتركة مثل الحوار والتعايش والمواطنة والأخوة الإنسانية.

كما أمتع الملحن سعيد زروالي الحضور بمقطوعات موسيقية عربية على آلة العود، أضفت على اللقاء أجواء فنية راقية. وفي السياق الأكاديمي، قدم الدكتور هانس فان كرومبروخ، الخبير في علوم التربية الإسلامية، محاضرة علمية تناول فيها فكرة المشترك الإبراهيمي بين الإسلام والمسيحية، من خلال قراءة تحليلية للآيات القرآنية المتعلقة بالنبي إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام.

وتضمن البرنامج كذلك كلمة ألقاها طالب الماستر عبد طه فتاح باسم طلبة الدراسات الإسلامية في الكلية، عبّر فيها عن تقدير الطلبة لهذه المبادرة التي تعزز الحوار والتواصل داخل الوسط الجامعي. واختُتمت الفعالية بكلمة معبرة ألقتها نائبة العميد المكلفة بالتعليم، الدكتورة آنيمي ديلين.

وعلى هامش هذا اللقاء، قدّم منسق الحفل الرمضاني هدية رمزية إلى عميدة الكلية، تقديرا لدعمها المتواصل، إلى جانب فريقها، لبرنامج الدراسات الإسلامية في كلية اللاهوت والدراسات الدينية بجامعة لوفان الكاثوليكية.

وعندما حان موعد الإفطار، ارتفع صوت الأذان ليعلن لحظة اجتماع الحضور حول مائدة إفطار مغربية تقليدية شهية، في أجواء سادها الدفء الإنساني وروح التسامح والتعارف، لتختتم بذلك أمسية رمضانية مميزة جمعت بين المعرفة والروحانية والحوار الحضاري.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button