
يشكّل كتاب “الهوية والمواطنة: البدائل الملتبسة والحداثة المتعثرة” للمفكر العراقي عبد الحسين شعبان محاولة فكرية كثيفة للقبض على مفارقة كبرى تسكن التجربة العربية الحديثة: كيف تحوّلت مفاهيم كان يُفترض أن تؤسس للانعتاق، كالهوية والمواطنة، إلى عناصر توتر وانقسام، بل إلى آليات لإعادة إنتاج الهشاشة السياسية والاجتماعية.
ينطلق شعبان من مساءلة مزدوجة، لا تفصل بين التاريخي والراهن، حيث تبدو الهوية في السياق العربي ككيان متوتر، تتجاذبه نزعتان: نزعة انغلاق تبحث عن يقينها في الماضي، ونزعة انفتاح مشروطة بحداثة لم تكتمل شروطها. هنا، لا تُفهم “الحداثة المتعثرة” كفشل عرضي، بل كمسار مبتور، جرى فيه استيراد الأشكال دون استيعاب الشروط العميقة التي أنتجتها في سياقاتها الأصلية. وبذلك، فإن الدولة الحديثة في العالم العربي لم تتأسس كعقد اجتماعي، بل كامتداد لسلطة مركزية أعادت إنتاج أنماط الهيمنة بأدوات جديدة.
ضمن هذا الأفق، يشتغل الكتاب على تفكيك العلاقة الملتبسة بين الهوية والمواطنة. فالمواطنة، بوصفها مفهوماً قانونياً وسياسياً يقوم على المساواة والحقوق، لم تستطع أن تترسخ في ظل هيمنة هويات فرعية طائفية، عشائرية، إثنية، تحولت إلى بدائل جاهزة عند كل أزمة. هذه “البدائل الملتبسة” ليست مجرد بقايا تقليدية، بل هي، في قراءة شعبان، تعبير عن فراغ الدولة، وعن عجزها عن إنتاج ولاء مدني جامع. حين تغيب الدولة كحامية للحقوق، يعود الأفراد إلى أشكال انتماء أولية تمنحهم الأمان الرمزي والمادي، حتى وإن كان ذلك على حساب وحدة المجتمع.
يتقاطع هذا التحليل مع أصداء نظرية عند مفكرين مثل بندكت أندرسون الذي يرى أن الأمة “جماعة متخيلة”، غير أن هذا التخيل، في الحالة العربية، لم يُبنَ على سردية جامعة، بل على تنازع سرديات متنافرة. كما يستدعي، ضمنياً، نقد يورغن هابرماس لفكرة “الوطنية الدستورية”، حيث المواطنة تُبنى على الالتزام بقيم مشتركة لا على الانتماءات الضيقة؛ وهو أفق لم يتحقق إلا جزئياً في التجربة العربية.
غير أن قوة الكتاب لا تكمن فقط في توصيف الأزمة، بل في تعريته للآليات التي تُعيد إنتاجها. فالحداثة، كما يعرضها شعبان، لم تفشل فقط لأنها مفروضة من الخارج، بل لأنها أُعيد تأويلها داخلياً بما يخدم بنى السلطة. وهكذا، تحوّلت الدولة إلى فضاء احتكار، لا إلى فضاء تعاقد، وغدت المواطنة امتيازاً متفاوتاً، لا حقاً متساوياً. في هذا السياق، تصبح الهوية أداة تعبئة سياسية، تُستدعى عند الحاجة، وتُفرغ من بعدها الثقافي الإنساني.
ومن هنا، يطرح الكتاب سؤالاً فلسفياً يتجاوز اللحظة العربية: هل يمكن بناء مواطنة حديثة دون إعادة تعريف الهوية نفسها؟ أي دون الانتقال من هوية مغلقة تُقصي الآخر، إلى هوية دينامية تعترف بالتعدد كشرط وجودي لا كتهديد؟ إن هذا التحول يقتضي، في العمق، إعادة تأسيس العلاقة بين الفرد والدولة، بحيث لا تكون الهوية بديلاً عن المواطنة، بل أفقاً ثقافياً يغنيها.
في تفكيكه لهذه الإشكالات، يبدو شعبان أقرب إلى مساءلة أنطولوجية للسياسة ذاتها: ما الذي يجعل الدولة ممكنة كفضاء مشترك؟ وما الذي يحوّلها إلى مجرد جهاز إداري فاقد للمعنى؟ هنا، تتكشف الأزمة لا كأزمة مؤسسات فقط، بل كأزمة معنى، حيث لم يعد الانتماء إلى الدولة يحمل وعداً أخلاقياً أو رمزياً كافياً.
ينتهي هذا الأفق التحليلي إلى مفارقة لافتة: كلما تعثرت الحداثة، ازداد التشبث بالهويات الجزئية، وكلما تضخمت هذه الهويات، تراجع أفق المواطنة. إنها دائرة مغلقة لا يمكن كسرها إلا بإعادة بناء الثقة، ليس فقط في الدولة، بل في فكرة العيش المشترك نفسها.
بهذا المعنى، لا يقدم الكتاب وصفة جاهزة، بل يفتح أفقاً للتفكير: كيف يمكن تحويل التعدد من مصدر صراع إلى شرط غنى؟ وكيف يمكن استعادة المواطنة كفعل تحرري، لا كصيغة قانونية مجردة؟ إنها أسئلة تظل معلقة، لكنها ضرورية، لأنها تمس جوهر ما يعنيه أن نكون معاً في عالم يتشظى باستمرار.






