‏آخر المستجداتفنون وثقافة

محمد ايت لعميم يترجم لإدواردو بيرتي: عتبة الاستعجال وقلق الدلالة

(كتب : م غلمان) ـ على خطى خورخي لويس بورخيس، يتشكّل هذا العمل ككائنٍ مزدوج النبض. كتابةٌ تستدعي ظلّها، وترجمةٌ تُصغي إلى ارتجاف المعنى وهو يتخلّق من جديد. في اختياراته لنصوص إدواردو بيرتي، يغامر المترجم والباحث محمد آيت لعميم داخل متاهةٍ يعرف أن مخارجها ليست جغرافية، بل ذهنية: دهشةٌ تتوالد من دهشة، ونصٌّ يوقظ في قارئه إحساسًا بأن العالم أوسع من حدوده المرئية.

هذه المختارات تُشيّد فضاءً تتجاور فيه الحكاية والفكرة، حيث القصة القصيرة قادرة على اختزال الكون في ومضة، وعلى تكثيف التجربة الإنسانية في مشهد عابر. بيرتي يكتب بعينٍ تستحضر تراثا أدبيا وفلسفيا كثيفا، ويترك في نسيجه السردي إشاراتٍ خاطفة إلى نصوص أخرى، كأن كل قصة طبقة شفافة تُخفي وتُظهر في آنٍ واحد. هنا يتقدّم التلميح على التصريح، ويغدو البياض جزءًا من المعنى.

اختيار عنوان “المترجم المستعجل” يفتح سؤال الزمن في فعل القراءة ذاته. ما الذي يستعجل المترجم؟ هل هو قلق القبض على شرارة المعنى قبل أن تنطفئ؟ أم إدراكٌ بأن النصوص كائنات حيّة، تتبدّل كلما اقتربنا منها؟ الاستعجال كما أعتقد، ليس نقصا في التمهّل، بل وعيٌ بحركية الدلالة، وبأن كل قراءة هي لحظة عابرة في سيرة نصّ أطول من قارئه.

وفي أوراقه التأويلية، ينفذ آيت لعميم إلى لبّ المخيال القصصي اللاتيني، متتبعا جذوره الميتافيزيقية واندفاعاته التي تمزج الفكر باللعب، والدهشة بالصرامة. اللغة في هذا السياق أداة كشف، تقترب من تخوم السؤال الفلسفي دون أن تفقد خفّتها السردية. كل قصة تبدو كأنها اختبارٌ لمرونة المعنى، وامتحانٌ لقدرة القارئ على العيش داخل الاحتمال.

يعترف المترجم بأن هذه النصوص تعكس شغفه بأدبٍ مشبع بمرجعيات فكرية وأدبية، أدبٍ يراهن على الإيحاء ويثق في ذكاء قارئه. ومن خلال هذا الرهان، تتأسس علاقة جديدة بين النص ومتلقيه؛ علاقة تقوم على المشاركة في إنتاج الدلالة، وعلى تقاسم الدهشة بدل استهلاكها.

بهذا المعنى، يغدو المشروع برمّته حوارا مفتوحا بين عوالم متقاطعة.. إرث بورخيسي يتردّد صداه، وصوت بيرتي الذي يعيد ترتيب عناصر الفنتاستيك في أفق معاصر، ووعي مترجم يسعى إلى أن يمنح هذه الأصوات حياةً أخرى في العربية. إنها كتابةٌ تُدرك أن الأدب لا يكتمل إلا حين يعبر الحدود، حاملا معه أسئلته، ومخلّفا في اللغة أثرا من متاهته الأولى.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button