فنون وثقافةلحظة تفكير

فريدة بوفتاس: الطريق إلى ….؟؟!!

لفظة طريق من بين الالفاظ المتداولة بيننا خلال معيشنا اليومي، والتي تستعمل بشكل تلقائي، وفي مناسبات عديدة، لكن، لم يتسن الوقوف عندها ، مثلما يتم الوقوف عادة عند حافة طريق ، أو مقطع طريق، أو عند ٱخر الطريق …
الطريق الذي قد يكون مكانيا ، وهذا هو ما قد يفهم منه مباشرة ، لكنه ، قد يأخد دلالات أخرى ، ليكون الطريق
ماهو خارج المكان المألوف من لدن الغالبية من الناس :
إذ قد يكون طريقة ، اتجاها ، موقفا ، اختيارا …
فمثلا ، قد يكون الطريق إلى النجاح عند البعض هو اختيار سلك الجد والكد وبذل الجهد ، لكن ، قد يكون عند غيرهم هو نهج طريقة القفز على الفرص بشكل انتهازي مصلحي يجعل منه فردا فاسدا داخل البنية التي ينتمي إليها ، والتي يبغي أن يحقق نجاحا في إطارها .
طريق النجاح الذي يقتضي التزام النزاهة والشفافية والوضوح ، قد لا يسلكه من يركب على موجة الفساد والإفساد، لجني الارباح ، دون إقامة وزن للقانون والاخلاق ، وكل ماهو متعارف عليه مجتمعيا كقيم سامية ونبيلة ، وهذه الطريقة سيبلغ بها مراميه ( الربح اللامحدود ) وستفرض عليه الانحراف عن ما اجتمع حوله الأفراد المجتمعيون وصنفوه حسب المرجعيات ( القانونية ، الدينية ، الاخلاقية ، الثقافية …) في خانة الممنوع ، الحرام ، الحشومة ….

والنجاح ، قد لا يكون مجاله فقط الربح المادي الخالص كما يعتقد ذلك البعض ، بل قد يكون نجاحا معرفيا أو وجوديا أو عداهما . فمثلا ، قد تكون طريق المرء الى تحقيق نجاح على مستوى وجوده ، من خلال بلوغه السعادة .
لكن ، هل بلوغ السعادة يقتضي سلك نفس الطريق ؟
وهل ثمة طريق ( طريقة ) واحدة لبلوغ السعادة ؟

طريق السعادة متعدد ومختلف ، باختلاف طالبها، من حيث انتمائه الطبقي ، والثقافي ، ومنسوب وعيه ومعرفته …
فإن كان الساعي إليها ، فيلسوفا ، محبا للحكمة ، هنا الأداة قد تكون عقلا مجردا بعيدا عن الحواس ، أو حواسا تبعد العقل أو قد تجمع بينهما ، أو قد تكون حدسا ديكارتيا ، أو صوفيا …
لكنها لن تكون الا بعيدة عن ضرورات اليومي التي يغرق فيها الانسان العادي ، ويحسب أنها أكمل ما يمكن بلوغه، سعادة ينعمة بها كلما أمسك بالحقيقة .

قد تكون سعادة يحققها بعبادة ذات الهية وفق صراط مستقيم ، وطريق إلى نعيم أخروي ، أو سعادة يبلغها زاهد عبر مراقي تصل به إلى سدرة المنتهى ، وقد تكون حلولا ، وغيره يسمو بها العارف إلى عوالم بعيدة عن أفهام من لم يتجرد من شواغل العالم الفاني .

أما السياسي والذي ماخلا منه زمان ، فطريقه كممارس حذق لهذه “اللعبة الغامضة” ، فطريقه قد يسلكها وهو مزود كفاية بمبادئ تسمو به عن مزالق اللهث وراء السلطة ، وكبواتها ، فتحميه من شرور المدينة polis، وفخاخها الخفية .
المدينة التي هي من وضعت قواعد الديموقراطية عند الاغريق ، حتى وإن جارت على سقراط الذي كانت نهايته مأساوية حيث تم إعدامه ، ليكون نموذجا لكل من اختار طريقه إلى الحقيقة وسموها اللامتناهي .
هذا الحدث رغم قتامته ومأساويته لم يكن له فيما بعد أثر على مسار هذه الطريقة في الحكم ، التي لم تعدم الحق في طلب الحق والعدالة …عبر تاريخها .
لكن ، وعلى النقيض من سقراط وأمثاله ممن احتفظ لهم /ن التاريخ بكل هذا المجد فخلدوا ، نجد هناك من دخل غمار السياسة وهو خلو من كل رغبة في السمو بممارسته إلى مستوى اخلاقي رفيع ، يبعده عن التٱكل اليومي والتفتت والانزلاق نحو هاوية سحيقة ، كلما تهافت على الغنيمة ، والربح غير المشروع ، والمنفعة التي مهما بلغت في عينيه من عظم ، فهي لن تغنيه من أن يتحول إلى مسخ مٱله مزبلة التاريخ .
هي فقط الطريقة التي يتم نهجها من طرف الفرد وهو يسلك الطريق إلى … …ما يبتغيه في مجالات الحياة كلها ،وفي كل هذا الوجود بكل أبعاده .

طريقة يسلكها وهو يعبر طريقه ذاك ، ووحدها من سيجعله ذاتا تستحق الاحترام والتقدير ، هو من ٱمن بحق غيره في الوجود الكريم ، دون استعماله كمجرد وسيلة ، كشئ ، لاقيمة له .
أو أن يكون اختياره هو الثاني البعيد عن ماذكرناه ، أي أن يرتاد طريقا نحو “نجاح “و”ربح “وهميان ، لا يكشفان سوى عن قصر نظر في اختيار طريقة فضلى، كانت ستكون زاده في رحلته القصيرة في هذا الوجود الواسع وهو في طريقه نحو الفناء .

19/01/2024

‏مقالات ذات صلة

Back to top button