
كش بريس/التحرير ـ في خضم موسم مطري استثنائي دخل مراحله الأكثر حساسية، تجد مناطق واسعة من المغرب نفسها في مواجهة تداعيات فيضانات متسارعة، فرضت حالة استنفار ميداني واسع، بالتزامن مع بلوغ نسب ملء عدد من السدود الكبرى مستويات قياسية تجاوزت 80 في المائة. هذا الواقع دفع منظمة “غرينبيس الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” إلى دق ناقوس الخطر، محذّرة من تعمّق آثار التغير المناخي وتحوّلها إلى تهديد مباشر للأمن الإنساني والبيئي.
وامتدت تأثيرات الفيضانات من مدينة القصر الكبير بإقليم العرائش، مروراً بسيدي قاسم وسوق الأربعاء الغرب وبلقصيري، وصولاً إلى عدد من مناطق الغرب، حيث رافق ارتفاع منسوب المياه رفعُ درجات التأهب وتنفيذ عمليات إجلاء احترازية واسعة، أفضت إلى نقل أزيد من 20 ألف شخص إلى مراكز إيواء ومخيمات مؤقتة.
وفي بلاغ لها، اعتبرت المنظمة أن ما تشهده المملكة اليوم يثير قلقاً حقيقياً، إذ يعكس تسارع وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة الناتجة عن تغيّر المناخ، ليس في المغرب فحسب، بل على مستوى المنطقة ككل. وأشارت إلى أن تونس بدورها تواجه منذ أسبوعين فيضانات متواصلة وحالات نزوح متزايدة، رغم الإجراءات الوقائية التي اتخذتها السلطات المحلية للحد من الخسائر وحماية الأرواح.
وفي تصريح ضمن البلاغ، قالت كنزي عزمي، مسؤولة الحملات الإقليمية في غرينبيس الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: “قلوبنا مع أهالي مختلف مناطق المغرب، حيث انتقل قلق الناس خلال سنوات قليلة فقط من الخوف المزمن من الجفاف إلى الخوف من السيول والفيضانات”.
وأضافت عزمي: “لسنوات كان السؤال المطروح هو: هل ستنقطع المياه؟ أما اليوم فأصبح السؤال: هل ستجرفنا المياه؟ ففي كل مرة ترتفع فيها السيول، لا تكتفي بجرف المنازل والطرقات، بل تجرف معها الإحساس بالأمان والاستقرار، وتترك العائلات تواجه خسائر فادحة تُختزل غالباً في كونها مجرد سوء حظ”.
وأكدت المتحدثة أن هذا التحول السريع من الجفاف إلى الفيضانات يمثل أحد أكثر تجليات تغيّر المناخ وضوحاً، وهو نتيجة مباشرة لسنوات من التلوث المناخي والتقاعس عن تحمّل المسؤولية من طرف كبار الملوّثين التاريخيين. وشدّدت على أن المجتمعات المتضررة لم يكن لها أي دور في التسبب بالأزمة، ومع ذلك تتحمّل كلفتها، في وقت يواصل فيه المتسبّبون تحقيق الأرباح.
وفي السياق ذاته، أوضحت عزمي أن المغرب، شأنه شأن العديد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لم يسهم إلا بنسبة ضئيلة جداً من الانبعاثات العالمية، لا تتجاوز 0.18 في المائة من إجمالي الانبعاثات التراكمية لثاني أكسيد الكربون، مقابل تحمّل دول الشمال العالمي، وعلى رأسها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، المسؤولية الكبرى عن الانبعاثات التاريخية التي تقود كوارث المناخ الحالية.
ورغم هذا الواقع، تضيف المسؤولة ذاتها، يُجبر المغرب على تحمّل أعباء مالية مناخية جسيمة، إذ يُقدّر أن تنفيذ خطته المناخية الوطنية خلال العقد المقبل سيتطلب نحو 96 مليار دولار لتغطية إجراءات التخفيف والتكيّف، ما يعكس حجم الظلم الواقع على الدول الأقل مساهمة في الأزمة.
وفي ما يتعلق بالحلول، دعت غرينبيس إلى فرض ضريبة إضافية على شركات النفط والغاز، قد تصل إلى 900 مليار دولار، تخصص لدعم العمل المناخي في دول الجنوب العالمي. كما حثّت الحكومة المغربية على تعزيز إجراءات حماية السكان من المخاطر المقبلة، خاصة في ظل توقعات بمزيد من التساقطات المطرية، وضمان تعويض المتضررين بشكل عادل.
وطالبت المنظمة برفع صوت المغرب في المحافل الدولية للمطالبة بتمويل مناخي عادل وكافٍ، قائم على الحقوق والمسؤوليات التاريخية، وليس على وعود طوعية أو مبادرات إحسانية من الدول الأكثر تلويثاً.
كما شددت على ضرورة إقرار آليات عملية وفورية، قابلة للتنفيذ والمساءلة، تعكس بوضوح المسؤولية التاريخية للدول الصناعية، من خلال الإسراع بإنهاء الاعتماد على الفحم والنفط والغاز، وخفض الانبعاثات من مصدرها، وتوفير تمويل مناخي منصف.
وختمت كنزي عزمي تصريحها بالتأكيد على أن المطالبة بالعدالة المناخية لا تقتصر على مؤتمرات المناخ السنوية (COP)، بل تشمل أيضاً فضاءات دولية أخرى، من بينها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للتعاون الضريبي الدولي، قائلة: “العدالة المناخية تقوم على مبدأ بسيط: من تسببوا في الأزمة يجب أن يتحمّلوا نصيبهم العادل من المسؤولية”.




