
كش بريس/التحرير ـ رسمت مجلة «لوبوان» الفرنسية صورة قاتمة لمسار السلطة في تونس، معتبرة أن النظام الذي شُيّد بعد 25 يوليو 2021 لم يعد يكتفي بإقصاء خصومه، بل بدأ يلتهم أبناءه وأنصاره، في مؤشر على اهتزاز داخلي عميق داخل منظومة الحكم نفسها.
وفي هذا السياق، توقفت المجلة عند توقيف النائب أحمد سعيداني ووضعه رهن الإيقاف التحفظي على خلفية تصريحات انتقادية، في مفارقة لافتة، إذ كان الرجل يُعد من أكثر المدافعين حماسة عن الرئيس قيس سعيّد. فقد جسّد، بحسب «لوبوان»، النموذج الأشد تطرفا للسلطة الجديدة، جامعًا بين خطاب قومي عربي ونزعة يسارية ماوية وولاء شخصي شبه تقديسي للرئيس، الذي كان يصفه بلا مواربة بـ«حنبعل الجديد»، مستحضرا رموز البطولات التاريخية لتبرير مشروعه السياسي.
انتُخب سعيداني نائبا عن حزب الرابطة الوطنية السيادية، أحد أبرز الكيانات الداعمة للانقلاب، واشتهر بتصريحاته العدائية تجاه معارضي السلطة، إذ لم يتردد في الدعوة إلى زجّهم في السجون أو «إحالتهم إلى المقابر». وبهذا الخطاب، تقول المجلة، ساهم في ترسيخ ديكتاتورية ناشئة أطاحت بالدستور، وأفرغت البرلمان من مضمونه، ونسفت الهيئات المستقلة، موازاة مع إصدار أحكام قاسية ضد شخصيات سياسية بلغت في بعض الحالات عشرات السنين سجنا.
غير أن هذا الولاء المطلق لم يشفع له. ففي الرابع من فبراير، تحوّل أحد أخلص أنصار النظام إلى متهم، فاعتُقل ثم أُودع السجن. وتتساءل «لوبوان» عن الجريمة التي ارتكبها، لتجيب بأن ذنبه الوحيد كان انتقاد غياب النتائج الملموسة لسياسات الرئيس وحكومته، في لحظة بدأت فيها الأزمات المعيشية تكشف هشاشة خطاب «الإنجاز» الذي احتكر به سعيّد كل السلطات.
وتشير المجلة إلى أن انسداد الفضاء العام، بعد سجن المعارضين وقمع المجتمع المدني وتكميم الصحافة، جعل أي صوت نقدي محتمل لا يصدر إلا من داخل معسكر الحكم نفسه. وهو ما تزامن مع تفاقم أزمات اجتماعية واقتصادية وُصفت بالكارثية بعد أربع سنوات من الانقلاب.
وساقت «لوبوان» مثالين صارخين: الأول في مدينة قابس، حيث أعاد تلوث صادر عن المركب الكيميائي في الحوض المنجمي ملفا قديما إلى الواجهة، بعد إصابة أطفال مدرسة مجاورة بأمراض خطيرة. ورغم تكرار الحادث، اكتفت الدولة بإقالة موظف صغير وتحويله إلى كبش فداء، ثم واجهت احتجاجات واسعة بالقمع والغاز المسيل للدموع بدل تحديث المصنع المتهالك.
أما المثال الثاني، فتمثل في فيضانات أودت بحياة خمسة أشخاص وكشفت أن البنية التحتية لم تشهد أي إصلاح يُذكر، إذ ظلت شبكات الصرف مهترئة كما كانت قبل الانقلاب. وخلصت المجلة إلى أن الواقع أثبت أن شيئا لم يتغير، وأن الوعود الكبرى بقيت بلا أثر.
في خضم هذا الإحباط، انقلب أحمد سعيداني على خطابه السابق، واصفا الرئيس الذي طالما مجّده بأنه «رئيس المجاري»، وهو ما جعله يواجه تهمة «التشهير» برئيس الجمهورية، مع احتمال الحكم عليه بسنوات طويلة من السجن.
وترى «لوبوان» أن صراخ سعيداني اليوم لا يغيّر كثيرا من المعادلة، بعدما كان جزءا من آلة الإقصاء نفسها. غير أن اعتقاله يظل، برأيها، علامة إضافية على ضعف النظام، ودليلا على أن السلطة باتت مضطرة لإسكات أنصارها بسبب فشل متعدد الأوجه.
وتخلص المجلة إلى أن نظام قيس سعيّد أخفق على ثلاثة مستويات: أيديولوجيا، حين راهن على نماذج معزولة وقطع مع عمق تونس الاقتصادي الأوروبي؛ وأخلاقيا، حين استخدم القضاء والقوة لتصفية خصومه باسم «النزاهة»؛ واجتماعيا، حين عجز عن تحسين حياة التونسيين أو الوفاء بالوعود التي بُني عليها العنف السياسي. وفي نهاية المطاف، تضيف «لوبوان»، لم يجد أحد أكثر إخلاصا من سعيداني ليتقاسم مع المعارضة المصير ذاته: الزنزانة، في مشهد يلخص سقوط أسطورة «الديكتاتور المستنير».





