‏آخر المستجدات‏صوت المواطنفنون وثقافةلحظة تفكير

مُصْـطَـــفَى غَـــلْمَــان: حضيضنا من “حضيض غوركي”

( لكي تقهر العنف عليك أن تعظ المحكمة بفلسفة الشمس) ـ إحسان نراغي


استعارة مسرحية “حضيض غوركي”، هي نفسها مرآة لاستعارات متوالية عبر أزمنة أَحِضَّتها أفظع وأشنع. فحضيضنا يؤشر على منحى أكثر مواءمة مع شخوص مسرحية غوركي الشهيرة، رغم أنها توثق لاندلاع ثورة شعب الفولغا العام 1905 في روسيا.

غير أن الأحداث نفسها والأغوار الخفية لمآسي الإنسانية، تتكرر بصور مغايرة وبمسافات لا تحددها الآثار الفَاقِعَة، في لجج الأهوال والحتوف.
ما بين كتابة المسرحية (ماكسيم غوركي)، وتشخيص أحداثها على الركح (قسطنطين ستانيسلافسكي) ثلاث سنوات فقط (1905/1902)، بيد أن أوارها العصيب، بدا ينشر حرائقه طيلة أحقاب ودهور، ممسكا بآلام المضطهدين والمقهورين، حيث النزيف المتلاحق يزجي بالآهات والجروح دون توقف أو تراخي.
في حضيض غوركي، مجتمع الحثالة ونُفايَاته، ينحدر إلى القاع الأرذل، حيث شِرارُ الناس وقِشْرُهُم السحيق، (سكيرون، شحاذون، لصوص، هامشيون، مقامرون بالملاليم وفلاسفة على سجيتهم)، مجتمعون على مائجة ميلودرالية شبيهة بمقصلة “الألم”، وفق مظاهر التهريج والعبث والإسفاف المستهاف.
نفسه حضيضنا، يحوز هذه الأسبقية الحضارية المتفوقة على ثقافة اللامعنى، وتكريس قيم التَوَافِه والحقارات.

 ينتقل بؤس التاريخ هنا، من إفراغ تلكم المسرحة المبطنة والسخيفة لأحداث “الحضيض” المستنتج عبر فكر غوركي، بما هي سيرورة تخفي خلفها ضائقة من الفهوم الثاوية وحدودها المُعَنْدِرة، بحجم الفداحات الكبرى، التي أضحت تزدحم بأشكال والتباسات لا حصر لها. فيصير الإحساس بأحداث مشابهة وقريبة الحضور في البداهات، واقعا معيشا وطفرة زمنية قائمة للعيان والآذان.
في “حضيض غوركي” ينزاح استدراج البطل، إلى هواية الصعود ، حيث الاصطدام الأليم بالفقر والعوز الشديد، ثم يتم أسر خيال الممثل داخل سجن الواقع، الذي يتفكك بهشاشته الذاتية، محدثا نوعا من الانتحار والخنوع إلى العدمية.
لا ينتظر أبطال غوركي في الحضيض الغارق في الأحزان والغموم، ما سينتج عن استخاراتهم النفسية، وتجاوزات الضيق وتسارع اليأس، ما يمكن أن يحيل إلى بصيص أمل أو فارق قادم، لكن تمة ما ستداوره نماذج تدبير الحياة، من قبل الفاعلين الحقيقيين في الساحة، ممن يخادعون شعب “الحضيض” ويقايضون وجودهم باستمرار هذا التعنيف الإجتماعي والاقتصادي والثقافي، وتدويره على نحو يضمن السيطرة والاستحواذ والتحكم الشامل.
شعب الحضيض الآن، وعبر كل المتاهات والجدارات المظَلَّلَة بالسَّوْطِ والسياسة وتبخيس القيم والإنسان، صار مسرحية غوركية مترابطة، ترتحل من بناء لبناء، ومن سالف عهد لواصله، لا فرق، من “فولغا الروس” ل”لأحياء كولومبو السيريلانكية”، ل”جيتيغا بوروندي”، للقبور التي تضم رفات الموتى والأحياء ..
لقد استأنس المتفرجون عبر كل المراحل، بحيوات غوركي المبثوثة في المسرحية القاسية، فاستلطفتها الضوائق الفنية والفكرية، مؤسسة بخلفيات ايديولوجية وثقافية وفنية محضة، معالم التأويل الاستيتقي والخيالي، مبرزة في أكثر من محطة حاسمة لهذا العالم البئيس والحضيضي، معاني إخفاء الحقيقة وتجنيحها اللزج والكيدي نحو “متاهة” غامضة بأفقها الإقرائي والتأويلي، إلى ما يشبه “الشرود الكاتم للإرادة”، بشرطية إغرائية لا تتحقق سوى في “الجنون” والركون إلى العقم الذهاني.

‏مقالات ذات صلة

Back to top button