كش بريس/التحرير ـ
تفتح مراكش إحدى نوافذها الفنية على ذاكرة التشكيلي المغربي الراحل محمد نبيلي، من خلال معرض «نبيلي: ذاكرة العلامات»، الذي يحتضنه متحف جامع الفنا للتراث اللامادي إلى غاية 15 فبراير 2027، ضمن برمجة المؤسسة الوطنية للمتاحف. ويأتي هذا المعرض، المنظم بشراكة مع Marsam Art Gallery، ليعيد تقديم تجربة فنان جعل من العلامة والرمز والذاكرة الثقافية مادة أساسية لبناء عالمه التشكيلي.

لا يقترح المعرض استعادة أعمال نبيلي باعتبارها أثراً من الماضي فحسب، وإنما يستدعيها بوصفها نصاً بصرياً ما يزال قادراً على مساءلة علاقة المغربي بذاكرته، وبعلاماته الثقافية، وبما تختزنه الحياة اليومية من رموز وإشارات. فمن داخل فضاء مكرس للتراث اللامادي، تبدو تجربة نبيلي وكأنها تعود إلى المكان الذي طالما استمدت منه قوتها: الذاكرة المغربية بما تختزنه من صور وأشكال وأبجديات ورموز متوارثة.
وقد بنى نبيلي، عبر مساره الفني، لغة تشكيلية خاصة تستند إلى تفاعل عميق مع التعبيرات الثقافية المغربية. فالوشوم التقليدية، وأبجدية تيفيناغ، والزخارف الرمزية، وآثار الذاكرة الجماعية، تتحول في أعماله من مجرد عناصر تراثية إلى وحدات بصرية قابلة لإعادة التركيب والتأويل. ومن خلال اللون والشكل والإيقاع، يعيد الفنان صياغة هذه العلامات داخل رؤية حديثة لا تقطع مع جذورها، وإنما تمنحها حياة جديدة داخل فضاء الفن المعاصر.
وتكمن خصوصية تجربة نبيلي في هذا الاشتباك المستمر بين الموروث والإبداع؛ إذ تتحول العناصر المستقاة من التقاليد والمعارف والممارسات الثقافية إلى مفردات تشكيلية ذات شخصية مستقلة. وهنا تصبح العلامة أكثر من شكل جمالي: إنها أثر للذاكرة، ووسيلة لاستعادة ما تراكم في المخيال الجماعي من دلالات، وفضاء لإعادة التفكير في معنى الهوية الثقافية بعيداً عن الجمود أو الاستنساخ.

ومن هذه الزاوية، يمنح اختيار متحف جامع الفنا للتراث اللامادي للمعرض دلالة خاصة؛ فالأعمال المعروضة تدخل في حوار مباشر مع مفهوم التراث الحي، ذلك التراث الذي لا يستمد استمراره من التكرار وحده، وإنما من قدرته على التجدد وإعادة إنتاج المعنى. وتنسجم هذه الرؤية مع تجربة نبيلي الذي تعامل مع التراث باعتباره مادة مفتوحة على التأويل، قابلة للانتقال من الذاكرة الشعبية إلى اللوحة والخزف والتصميم والتشكيل.
وتكشف أعمال الفنان أيضاً عن تعدد حقوله الإبداعية؛ فقد اشتغل في الرسم والخزف والغرافيك والتشكيل، وهي مجالات سمحت له بتوسيع بحثه في المادة والسطح واللون والعلامة. وفي جميع هذه التجارب تقريباً ظل السؤال الثقافي حاضراً، من خلال محاولة الإمساك بما يبقى من الذاكرة حين تتحول الأشياء والرموز القديمة إلى لغة فنية جديدة.
غير أن المعرض لا يقف عند الجانب الجمالي من تجربة نبيلي، إذ يستعيد كذلك البعد الإنساني في مشروعه الفني، خصوصاً إيمانه بالتربية الفنية وبحق الأطفال والأجيال الجديدة في الوصول إلى الإبداع. وقد خصص الفنان جانباً مهماً من نشاطه للعمل على نقل المعرفة الفنية، من خلال مؤسسة «خيال الطفل في الفنون التشكيلية»، التي جعلت من الفن وسيلة للتفتح وبناء الحس الإبداعي لدى الناشئة.
وتكشف شهادات ومعطيات مرتبطة بتجربته عن انخراطه في مشاريع تربوية وفنية مع الأطفال، من بينها تجربة جمعته سنة 2009 بأطفال من دار الأطفال العكاري بالرباط، حيث اشتغل معهم على أعمال انطلقت من رسومهم، في تجربة جعلت من الطفل شريكاً في العملية الإبداعية لا مجرد متلقٍ لها. كما ارتبط اسمه بمشاريع فنية جماعية وفريسكات شارك فيها أطفال، من بينها أعمال مرتبطة بالمراكز الاستشفائية الجامعية في الدار البيضاء ومراكش.
بهذا المعنى، تستعيد «نبيلي: ذاكرة العلامات» فناناً ظل مشدوداً إلى سؤالين متلازمين: كيف يمكن للتراث أن يعيش داخل الفن الحديث؟ وكيف يمكن للفن أن يعيد الإنسان إلى ذاكرته من دون أن يحوله إلى أسير لها؟

إنها وقفة مع تجربة جعلت من العلامة جسراً بين الماضي والحاضر، ومن اللون وسيلة لاستعادة الذاكرة، ومن التراث مادة قابلة لإعادة الخلق. وفي فضاء جامع الفنا، حيث تتقاطع الحكاية والموسيقى والحركة والصورة والذاكرة الجماعية، تبدو أعمال نبيلي وكأنها تستعيد موطنها الطبيعي: فضاء ثقافي لا يعيش التراث فيه داخل المتحف وحده، وإنما يستمر في الشارع والاحتفال واللغة والجسد والعلامة.
وهكذا، يمنح المعرض للزائر فرصة لإعادة اكتشاف محمد نبيلي من خلال مسار فني يتجاوز التصنيف التقليدي للفنان التشكيلي؛ فهو فنان اشتغل على الذاكرة بوصفها مادة تشكيلية، وعلى التراث باعتباره لغة قابلة للتجدد، وعلى الفن باعتباره فعلاً إنسانياً وتربوياً. وهي ثلاثية تجعل تجربته حاضرة في النقاش الراهن حول علاقة الفن المغربي بالهوية، وحول قدرة الإبداع المعاصر على تحويل الموروث من ذاكرة محفوظة إلى ذاكرة منتجة للمعنى.


وكالة السلامة الطرقية توضح حقيقة أجل استبدال صفائح تسجيل المركبات
الشغيلة الجماعية تضع الأحزاب أمام ملفاتها المهنية قبيل انتخابات 23 شتنبر
فرع العصبة الوطنية للتربية الأساسية ومحاربة الأمية بأوطاط الحاج يضع برنامج عمل لأربع سنوات
توقيف ثلاثة أشخاص بابن جرير للاشتباه في تورطهم في وفاة قاصر إثر اعتداء بالسلاح الأبيض