بقلم الأستاذ مصطفى رضوان
يعد القاص سعيد رضواني من بين كتاب القصة القصيرة المميزين في المغرب، و دائما ما يدهشنا بأسلوبه الخاص في الكتابة، و من خلال القراءة الأولية لقصة ” حرمان ” لفت انتباهي استعماله لثلاث مصطلحات لها دلالتها الرمزية العميقة في فكر ووجدان السارد: الثعبان، السمكة، وعنوان القصة “الحرمان “.
يمثل الثعبان شيئاً غريباً ومثيراً للقلق لأنه ينتمي إلى عالم مجهول بالنسبة للطفل، وفي الرمزية الفرويدية الكلاسيكية، فالثعبان يعد من أشهر الرموز الفالّية، أي المرتبطة بالقوة الجنسية والذكورة والرغبة. لكنه في هذه القصة لا يظهر فقط كرمز جنسي، بل أيضاً كعلامة على:
ــــ الخوف من المجهول.
ــــــ اقتحام عالم مختلف.
عودة المكبوت في صورة حيوان زاحف يدخل البيت ويخرج منه.
يرتبط الثعبان في النص بالبيت الجبلي المتداعي الذي تتعايش فيه الزواحف مع البشر؛ وهنا يبدو البيت نفسه كصورة للنفس التي أصبحت حدودها مثقوبة، يدخل إليها الغريب ويخرج منها بحرية.
ثانياً: السمكة وهي تمثل رمز الأصل والانتماء
عندما يصرخ ابن الخالة:
“حنش حنش حنش“
عند رؤيته سمكة في المطبخ، يحدث انقلاب رمزي كامل. فكما خلط السارد بين الثعبان والحوتة في طفولته، يخلط ابن خالته بين السمكة والثعبان.
الإنسان لا يخاف الأشياء في ذاتها، بل يخاف
ما حُرم من معرفته وفهمه.
هنا تتجلى فكرة أساسية في التحليل النفسي:
إن الإنسان لا يرى الواقع كما هو، بل كما تسمح له بنيته الرمزية أن يراه.
الثعبان والسمكة يصبحان صورتين متبادلتين للآخر الغريب.
ومن منظور أعمق، ترتبط السمكة في كثير من التأويلات التحليلية بالماء، أي بالمصدر الأول للحياة. والماء عند فرويد ويونغ كثيراً ما يرتبط بالأمومة والرحم واللاوعي.
لذلك يمكن اعتبار السمكة رمزاً لـ:
ــــ الأصل.
ـــــ الأمان الأول.
ــــ الانتماء إلى عالم مألوف.
ـــــ الحياة الغريزية الطبيعية.
ثالثا: حرمان
عنوان القصة يمنح الرمزين معنى إضافياً.
حيث يصبح الحرمان ليس حرمانا مادياً فقط، بل هو حرمان من التجربة، فالسارد كان محروماً من معرفة عالم الجبل فحوّل الثعبان إلى سمكة وابن الخالة كان محروماً من معرفة عالم البحر فحوّل السمكة إلى ثعبان.
أما الرجل الذي أغمي عليه على الشاطئ لأنه لم ير البحر من قبل فيمثل شكلاً آخر من الحرمان.
كذلك الصديق الذي أغمي عليه عندما رأى نهدي الممرضة لأول مرة يمثل حرماناً جنسياً ورمزياً.
لذلك يبدو الثعبان والسمكة في النهاية تجسيداً لفكرة مركزية في النص:
الإنسان لا يخاف الأشياء في ذاتها، بل يخاف ما حُرم من معرفته وفهمه.
ومن ثم فإن الثعبان والسمكة ليسا مجرد حيوانين متقابلين، بل صورتان للآخر المجهول الذي يكشف حدود خبرتنا ورغباتنا ونقصنا الأساسي؛ ذلك النقص الذي يسميه التحليل النفسي، خصوصاً عند لاكان، الافتقار (Le Manque )، وهو المحرك الخفي للرغبة والبحث والتكرار في حياة الإنسان.


مصطفى بنعزوز يكتب: كولاجات قابلة للتأويل (حناء…وملح)
سبتة.. تقرير مدني يرصد تشددا تجاه المهاجرين وتصاعدا لخطاب الكراهية
تقرير أممي يرصد فجوات حادة في خدمات النظافة والصرف الصحي بالمؤسسات الصحية المغربية
مجلس الدار البيضاء يوافق على نقل استغلال «ليدو» إلى شركة مرتبطة بـ«أطلس هوسبيتاليتي»