‏آخر المستجداتلحظة تفكير

هناء متولي* تكتب: أقراص المُنَوِّم الخمسة

(1)
الفاعلية: ندوة ثقافية لدعم شباب الكُتَّاب.
الواقع: ندوة ذات قشرة ثقافية، لدعم كبار الكُتَّاب وزيادة حضورهم الطاغي.
الزمان: الأول من أبريل 2020
الواقع: لا يهم، الفساد والنفاق مرتبط بوجود الإنسان في كل الأزمان.
الكاتب الكبير: أستطيع أن أقولها صراحة، إنَّ الأدب النسوي هو من يظلم نفسه، الكاتبات لا يتوقَّفن عن الندب والصراخ والولولة (يضحك ساخرًا) أُسمِّي هذا النوع بأدب ربَّات البيوت، الكاتبات انفصلن عن مشكلات أوطانهن وتركَّز همَّهنَّ على أنفسهن، حتَّى كأنَّهنَّ ملائكة والرجال هم الشياطين (يضحك بصوتٍ أكثر ارتفاعًا من المرَّة السابقة) الوضع مخجل.. مخجل جدًّا.
ردُّ الفعل: الحضور لم يبخل بالتصفيق والتأييد الصاخب للكاتب الكبير.
الواقع: أغلب الحضور لم ينتبه لِمَا يقوله الرجل، إنَّهم يُصفقون مجاملة، حتَّى بعض الكاتبات من اللائي يحصلن على اهتمامه ودعمه.
نهى (كاتبة شابة): ثارت من أحكام الكاتب المُطلَقة والتقليدية، إنَّه يردِّد هراءً؛ ليرضي ذكورته المتغطرسة، طلبَت الكلمة، وقالت: “ليس صحيحًا يا عزيزي، من الطبيعي أن يكتب الإنسان عن آلامه ومشكلاته الخاصة، والكاتبات يعبِّرن عن ذلك بحرفهنَّ القرمزي، لو كتبنا مثل الرجال؛ لصرنا مسوخًا وأشباهًا، الحقيقة، إنَّكم تخافون منافستنا وتحاولون القضاء على تميُّزنا بهرائكم هذا”.
الكاتب الكبير: أنت متحمسة (ينظر إلى الحضور ويضحك) وطائشة رُبَّما.. أتحدَّاك في كتابة نص يُنافس نصًّا لكاتب من اختيارك.
الواقع: الكاتب الكبير يقول في قرار نفسه “مَن هذه البطة السمينة التي تنتقدني؟ هذا النَّهد الرجراج لا يُنتَظر منه جملة واحدة صحيحة.. سأكسر جناحها أمام الجمهور وأتولَّى إطعامها بعد الترويض.. أهلا بالصيد الصعب”.
نهى: قبلتُ، وأنتَ المنافس الذي أختاره.
الكاتب الكبير: (يضحك على طريقته المعتادة بينما يُوزِّع نظره بين الحضور بالتَّساوي) ليكن يا زميلتي الشجاعة.
الواقع: الكاتب الكبير يُردِّدُ في سِرِّه “الطير يضع منقاره بين فتحات شبكة الصيد، أهلًا بالمنافسة والليالي الحمراء”.

(2)
بعد الندوة:
الكاتب الكبير:
بمجرد وصوله إلى منزله طبع على خد زوجه قُبلة صامتة، ثُمَّ صعد إلى الأعلى، بدَّل ملابسه.. أخذ حمامًا بماء دافئٍ.. أعاد تصفيف شعره القصير.. تعطَّر.. جلس أمام التلفاز ينتظر ظهوره في حلقة مُسجَّلة بإحدى البرامج الثقافية والتي تحدَّث فيها عن الحركة الأدبية وسبل إنعاشها، لم ينتبه إلى الحلقة وتذكَّر (نهى).. وقرَّر أن يكتب قصَّة تقتل طموح تلك السمينة المثيرة ذات النهد المُتحفِّز كما وصفها.. ثلاثون دقيقة قبل الندوة القادمة كافية لكتابة تلك القصة.
نهى: بمجرد وصولها إلى منزلها الصغير ألقت جسدها الرجراج على الفوتيه الوحيد.. تزفر ببطءٍ.. “لقد أدخلتُ نفسي في صراع مُهلِك”..
شاءت أم أبَت فإنَّه كاتب مخضرم يُجيد التلاعب والمكائد، سيهزمها بلا شك، سيجد ألف يد تُصفِّق، وألف لسان يمدح، وهي وحيدة بلا شِلَّة ولا مصالح تجذب الحشرات حولها. قرَّرَت ألَّا تدخل المعركة برُوح مهزومة، ستنتصر وستسحق غروره بضربة واحدة قاضية. بدأَت تُنظِّمُ أفكارَها، أمامها أسبوع كامل تكتبُ فيه قصَّةً عظيمةً، صارَت تستمدُّ قوَّتها من مقولة قديمة تؤمن بها.. “لا يُمكنُك هزيمة امرأةٍ تثق بنفسها”.. وظلَّت تُفكِّرُ وتتساءلُ: “لا بُدَّ من التفكير الواضح.. البحث عن موضوع جديد في الفكرة والشَّكل والطَّرح والمعالجة.. لكن أين أجد ذلك؟ وكيف؟”.
النُّعاس كان رحيمًا بها من زحام عقلها الثائر، لكنها استيقظت أكثر انفعالًا وتوهُّجًا.. صارخةً: “وجدتها.. وجدتها.. الجميعُ يتحدثون عن الموت.. لكنَّني سأفعل ما لم ولن يفعله أحدٌ غيري.. سأكتب عن الاحتضار.. لحظات الانتهاء.. الدقائق التي يبقى العقل فيها حيًّا ومُدركًا أنَّهُ يموت.. لكن كيف؟
لا بأس، الأمر يسير جدًّا.. هكذا يبدو.. الطبيب أخبرني سابقًا أنَّ عشرة أقراص من المنوِّم الخاص بي رُبَّما تكون قاتلة، ماذا لو تناولتُ خمسة فقط؟ لعلَّها تجعلني في حالة بين الموت والحياة.. اللحظة التي أودُّ التعبير عنها.. العالم الذي لم يكتب عنه أحد.. لا أحتاج إلَّا لخمس دقائق أدخل فيها ذلك العالم، ثُمَّ أتناول بعدها القرص الذي يجعلني أتقيَّأُ.. سأفعلها.. لا مفر من ذلك حتَّى أكسر أنف ذلك المتغطرس”.

(3)
الكاتب الكبير:
يُمضي ليلته الثالثة في بيروت لحضور فاعلية ثقافية مهمة، الرجل سعيد وممتن، لكنَّه عرضًا تذكَّر التحدي الذي لم يتبق عليه سوى يومين، في اليوم التالي شرع في كتابة قصَّة على متن الطائرة.. وكان يُردِّدُ بصوت خفيض فكرة جالت برأسِهِ مفادها أنَّ الحياة حُلوة وصاخبة للرجال المشاهير.
نهى: ارتعشت يدها وهي تعد أقراص المُنوِّم الخمسة، كرَّرت ذلك أكثر من مرَّة حتَّى تأكَّدت من العدد، أرسلَت بريدًا إلكترونيًّا إلى صديقتها؛ لتحضر إلى زيارتها في أمر ضروريٍّ، فعلَت ذلك تحسُّبًا للمفاجآت؛ إذ كان هاجس يقتحم عقلها بقوَّة.. فماذا ستفعل إن تعسَّرت في تناول القرص الذي يساعدها على التَّقيُّؤ؟ إنَّها مسألة حياة أو موت ولا بُدَّ أن تحتاط جيِّدًا.. لن تتراجع الآن.. والطَّريق بينها وبين صديقتها ليس بعيدًا..
تناولَت أقراص المُنَوِّم الخمسة.. بدأت كتابة القصَّة عن حكاية امرأة تنتحر ردًّا على قسوة العالم، وعنصريَّته، امرأة رأت نفسها في عيون الرِّجال جسدًا.. مجرَّد جسد.. امرأة ترفضُ الواقع برفض الحياة، ظلَّت تكتبُ حتى شعرَت برجفةٍ تحتلُّ جسدها.. تشعرُ ببرودةٍ شديدة.. تتعرَّقُ بغزارة.. ضرباتُ قلبها تتزايد ثُمَّ تخفتُ فجأةً.. الغرفةُ تغرقُ في الظلامِ.. نهى تسبح بالغرفة.. هناك شيءٌ ينسحبُ من ساقيها.. وَدَّت لو سَجَّلَت ذلك الإحساس في قصَّتِها لكنَّ الظلام والسباحة منعاها من ذلك.. الشيء الذي ينسحب داخلها يصل إلى قلبِها.. تسقطُ على قصَّتها.. يسقط القلم على أرضيَّةِ الغرفةِ من دون أن يُصدر صوتًا.

(4)
تقرير الطبيب الشرعي:

“هبوط حاد في الدَّورة الدَّمويَّة نتيجة تناول خمسة أقراص مُنوِّم لفتاة مريضة بالقلب”.
(5)
يوم الندوة:
الكاتب الكبير أصرَّ على تحويل الندوة لتأبين الكاتبة الشابة نهى، أخذ يتحدَّث عن موهبتها العظيمة، بل دشَّنَ مسابقة قصصيَّة للشباب باسمها.
الواقع: الكاتب الكبير لنفسِهِ: “البطة السمينة ماتت قبل أن أتمتَّع بها، فتاة حمقاء، أرادت أن تتحدَّاني، لا بأس، هناك الكثيرات ينتظرن”.
…………
*كاتبة من مصر

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Back to top button