أحمد الشهاوي: التجديد ضد عبادة الماضي

التجديد يأتي بالاتصال لا بالانعزال ؛ لأن في الاتصال تقدُّما ورقيا وحضارة ، وبالسفر والتعب والانتقال ، وليس بالإقامة والاستنامة والرضوخ لما تركه الأوَّلون من كتبٍ صفراء ، ليست بالمُتُون ولكنها حواشٍ وهوامش وشروح وتفاسير عرجاء في معظمها .

وإذا كان الله في عُلاه قد أخذ عن الفرس – مثالا – في قرآنه ، فلمَ لا نأخذ عن الأمم الأخرى ما هو حسن وجيد ، ويتواءم مع ديننا وتقاليدنا وأعرافنا وثقافتنا ولغتنا وأدبنا ، بدلا عن أن ننعت من ليس منَّا بالكفر والفسُوق والفُجور .

ولا بد أن نبدِّل الجهلَ بالعِلم ، و لا نُبْدِّل العلم بالجهل .

ومن يبتغي التجديد عليه أن يكون سلسًا ، سائسًا ، سهلا ، مرنًا ، مطواعًا ، مستعدًّا ، سمحًا ، مؤمنًا ، لا خشنًا ، جهمًا ، جهُولا ، عابسًا ، يائسًا ، بائسًا ، مسُوسًا ، سادرًا في غِيِّه وعنجهيته مُتصوِّرًا نفسه إمام الأئمة ، وفقيه الفقهاء ، وسلطان الشيوخ .

علينا أن نخرج من البداوة إلى الحضارة ، ومن القبيلة إلى الدولة ،

لقد كان القوم في القرن الثاني من الهجرة أكثر يُسرًا ، وسلاسةً ، وحرصًا على التطوُّر ، واستجابةً ، وإقدامًا في التغيير والجِدَّة وتعدُّد الأساليب عمَّا نحن عليه الآن في حياتنا الدينية والأدبية ، التي يجد المرء مشقةً وعناءً وتعبًا في زحزحة شيء ، وكان ذلك في زمن الخلافة العباسية ، عندما انتقل مركز الحكم إلى العراق بعد زوال دولة الخلافة الأموية (41 – 132 هـجرية / 662 – 750 ميلادية )

نحن مُتعثِّرون وبطيئون ، ومُتكلِّفون ، ومُتصنِّعون ، ومن كان له شرف المحاولة قبل نحو مئة عام أو يزيد ، كانت تهمته الكُفر حتى ولو كان أزهريًّا شامخًا كمحمد عبده أو طه حُسين أو علي عبد الرازق أو عبد المتعال الصعيدي ، أو سواهم ممن نالهم الإقصاء والنفي والتنكيل والهجرة من الوطن والتكفير ، ويُعبِّر طه حسين عن حالٍ كهذه قائلا : ( … والذين يحاولون أن يكونوا مُجدِّدين صريحين يجدُون المشقَّة كُل المشقة فيما يحاولون من هذا التجديد ) .

من الصعب بل من المستحيل أن يعيش المرءُ على ما ورثه من آبائه ، من دُون أن تكون له يدٌ أو كلمةٌ أو موقفٌ أو إضافةٌ ، مكتفيًا بما تُرِكَ له من آثار كثيرُها مشكوكٌ في صحته ، وكثيرُها موضوعٌ ومؤلَّفٌ لأهداف تخصُّ الحكم السياسي قبل أن تخصَّ الدين ، بمعنى أنها تُغلِّب مذهبًا على آخر ، وفئة على أخرى .

فمن العيب أن يعيش المسلم غريبًا في عصره ، تحت سطوة سيل الفتاوى ، والأحكام الشاذة والغريبة ، ولديه كِتابٌ عظيمٌ اسمه ( القرآن ) ، لو عمل بما فيه لما احتاج إلى أقوال المُتاجرين بالدين ، واستطاع أن يدفع عن دينه الشكوك ، التي صارت مُنتشرةً بفضل جماعات الإسلام السياسي ، التي اتخذت من الدسِّ والخديعة ، والنهب والسرقة والتكفير والاغتيال والقتل سياسةً لها ، مُدَّعية أنها تُطبِّق الإسلام الحق .

لم يعُد ينفعنا بشرٌ ضِعافٌ محدودو الثقافة ، صاروا – بفضل الفوضى والجهل وسطوة السلطة الدينية – يقودون المجتمع ، وأصبحوا في طليعة الصفوف المجتمعية والدينية ، ولهم كلمة عليا ، ويد أعلى ، حتى صار الجهل حيوانًا أسطوريًّا شرسًا يُهدِّد الجميع .

Exit mobile version