أحبُّ الانفرادَ بي ، في البيتِ ، في المكتب ، وفي السيارة ، حتى وأنا في الطائرة أفرحُ إذا اعتذر أحدٌ عن الجلوس بجانبي ، واختارَ لهُ مقعدًا آخر ، خُصُوصًا إذا كانت الطَّائرةُ غير مزدحمةٍ بالمسافرين من كلِّ لونٍ وجنسٍ ، وكان السَّفرُ سيستغرقُ فوق السَّاعاتِ العشر ، خُصوصًا إلى بلدان أمريكا اللاتينية ( الوسطى والجنوبية ) ، وأمريكا الشمالية ، وأنا كثيرُ السَّفر إليها منذ رحلتي الأولى إلى كولومبيا سنة 2005 ميلادية ، وقبلها رحلاتي إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي ابتدأتْ سنة 1988 ميلادية ، ففي رحلاتٍ كهذه تكونُ فُرصتي مُتاحةٌ للقراءةِ والكتابةِ والتأمُّل والاستغراقِ في النَّوم .
كُنتُ في الزمنِ القديمِ أذهبُ وحدي إلى الغيطِ مُتحجِّجًا برعايةِ ما زرعتُ من أشجارٍ على جُسُورِ أرضِنا ، لكنَّ الحقيقةَ هي الانفرادُ بي ، والتكلُّم إلى نفسِي بصوتٍ مسمُوعٍ ، علَّني أصل إلى الكنزِ العظيم .
الانفرادُ يعني القراءة المتأنيَّة وغير المقطُوعة من أحدٍ ، التأمُّل العميق ، يعني الكتابة ، ورُؤية ذاتي في أحوالها وكشُوفاتها .
الانفرادُ بالذات أو بالمكان نعمةٌ لا يدركُها غير المُتبصِّر ، ولا يعرفُها سوى الرَّائي .
*ahmad_shahawy@hotmail.com
وهذا لا يعني أنَّني كائنٌ مُعتزلٌ أو مُنزوٍ أو غير اجتماعيٍّ .
نعم أنا أحبُّ العُزلةَ ، وأيضًا أحبُّ الناسَ ، لكنَّني أسعى طَوال الوقت إلى أن أكُونَ نفسي ، وهذا لا يتحقَّق إلا بالانفرادِ والتطلُّعِ والشَّطح .
وإذا كُنتُ أنفردُ بنفسِي ، فأنا لا أنفردُ برأيي أو أستبدُّ أو لا أشركُ معِي أحدًا ، عندما يخصُّ آخرين غيري ، لكن أحتفظُ برأيي وأجهَرُ به ؛ لأنه يُمثِّلني ، وعمُومًا أنا لا أستحوذُ على الرَّأْيِ والسُّلْطَةِ في ذَلِكَ ، فمثلي لا يرفضُ الْمُساعَدَةَ وَالْمُشاوَرَةَ .
والحديثُ يقول : ” طُوبَى للمفرِّدين ” الذين يعتزلُون الناسَ ، وفي المعاجم المُنفرِد عن جميع الأشياء، هو المُمتنِعُ عن الاختلاط بها ، المُستغنِي عنها .
والمُعْتَزِل ليس بالضَّرُورة أن يكُونَ مُخالفًا لجماعتِهِ وناسهِ ، ولكن لديه رُؤى مُغايرة ، ويحتاج إلى مساحةٍ وفُسحةٍ ومكانٍ ؛ كي يرى نفسَه ويجُولُ في بواطنه .
وليس المقصُود أن يعتزلَ العالَمَ ، ويعيشَ وحيدًا في عُزلَةٍ عن الآخرين المُحيطين به ، لكنَّنا اعتدنا سلوكَ القطيعِ حتَّى في الكتابةِ والتفكير ، ومن ينفرد أو يغادر يتهم بأنه المُنشَقُّ والمُعتزلُ .
وفي العُزلةِ فرْزٌ وتصفيةٌ وتنقيةٌ وغربلةٌ وحذْفٌ لا بد من إجرائهِ كل فترةٍ من حياةِ المرْء .
وقديمًا قال الأولون : ” العُزْلَةُ عبادةٌ ” .
وأنا صرتُ أعتزلُ في البيتِ ، وفي السَّفر ، وحتَّى عندما أكونُ مع كثيرين ، ففي حقيقةِ الأمرِ ، أنا وحدي مع نفسي ، وفي بعض المهرجانات العالمية للشِّعْر التي عادةً ما أشارك فيها أكثر من مرَّةٍ في العام الواحد ، يتطلبُ الأمرُ أن يسكُنَ شاعران أو أكثر من شاعرٍ في غرفةٍ واحدةٍ ، حدث لي ذلك مرَّاتٍ كثيرةً ، أذكرُ منها ما وقع في : جواتيمالا ، والسَّلفادور ، وكوستاريكا ، لكنَّني رفضتُ بشدَّةٍ ، كأنَّ عقربًا لدغتني عندما علمتُ بالأمر ، وأصررتُ على أن أكونَ منفردًا ، حتى لو سكنتُ في الفندق على نفقتي ، ما دامت إدارةُ المهرجان غير قادرةٍ على التكفُّل بنفقات حجزِ غرفةٍ لشاعرٍ آتٍ من بلادٍ بعيدةٍ .
ومثلي يسمُّونه في اللغة : ” المِعْزَالُ من ينزلُ وحدَه في السَّفَر يعتزل رفقتَهُ. والجمع : معازيلُ “.
ولأنَّنا لسنا في زمن نُوح الذي دعا قومه 950 سنة :
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ ) ، والذي هو
، أوَّلُ الرسلِ ، وكان الأب الثاني للبشريةِ بعد نجاتهِ ومن معهُ من الطوفان ، و ” أوَّل فلاحٍ في البشريةِ ، وكان أول صانع للنبيذ ” كما جاء في التوراة .
وكان الحفيد التاسع أو العاشر لآدم ، ولا أدري ما ترتيبي أنا بوصفي حفيدًا لآدم .
وأنا لستُ ابنه ، فلن أركبَ مع الناس قطارَهُم الملآن بالطَّازج والمعطُوب معًا : { وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا } [ سورة هود ].
وابنه هو كنعان بن نوح ، أو يام بن نوح ، هو الابن الرابع لنوح وزوجته واغلة ، وأخو سام ، وحام ، ويافث ، وأتى ذكرُهُ في الإسلام فقط ، وحسب الديانةِ الإسلاميةِ فإنَّه كافرٌ ، وقد مات غرَقًا في الطُّوفان ؛ لأنَّهُ رفض ركُوبَ السَّفينة مع أبيه نُوح ، ولكن لم يذكر الاسم كنعان في الآية القرآنية .
و كانت أمه واغلة كافرةً أيضًا ، فلاقت المصيرَ نفسه ؛ لأنها لم تركب السفينةَ أيضًا مع نُوح ، أما إخوته الثلاثة وزوجاتهم و امرأته ، فكانوا مؤمنين ، فركبوا جميعًا. ولم يكُن لكنعان مع زوجته أية ذرية مثل إخوته.
وهذه السفينة كان الله قد أمر نوحًا ببنائها ، و لم تعرف الدنيا مثيلًا لها من قبل ، وتذكر المصادرُ أنَّ طولها قد بلغ ثمانينَ ذراعًا ، وفي مصدرٍ ثانٍ ألفًا ، وفي ثالثٍ ألفيْ ذراعٍ ، وقيل غير ذلك ، وكان خشبُها من شجر الصنوبر الذي نستخدمه حاليا في صناعة الأثاث ، والآلات الموسيقية ، وأعمدة الهاتف والكهرباء ، كما أنهُ مُقاومٌ للجراثيم ، وهو شجرٌ معمِّرٌ يعيشُ حتى مئتيْ وخمسين سنةً ، وارتفاع الشَّجرة يصلُ إلى أربعين مترًا ، وكان نوح يزرعُ الشَّجر ، فهو سهل الزراعة ، ولا يحتاجُ إلى متطلباتٍ بيئيةٍ كثيرةٍ ، وينتظرُ نموه مئة سنة ، ثم ينشرُه في مئةٍ أخرى أو أربعين سنة ، وقد أمر أن يُطْلَى باطنُها وظاهرُها بالقار، وجعل منها ثلاثة طوابق ، فالطابق الأرضي من السفينة خُصِّصَ للحيوانات والوحُوش، وثانيها لبني الإنسان ، والثالث للطيور، و لها سقف مطبق عليها.

المحاميد تغرق في الأزبال مجددا.. هل تحولت النظافة إلى ورقة ابتزاز انتخابي قبل استحقاقات شتنبر؟
موجة حر استثنائية تضرب المغرب.. الأرصاد تحذر من بلوغ الحرارة 47 درجة وتدعو إلى أقصى درجات الحيطة
«هوت ماروك» تواصل رحلتها التتويجية.. الرواية المغربية تنافس على جائزة بيزا الإيطالية للترجمة الأدبية