لستُ كذَّابًا ، لكنَّني أخلقُ أحلامًا ، أعيشُها وأسعى إلى تحقيقها ، لأنَّني في الأحلام أبني ، ولا أهدرُ دمَ الوقتِ أو أسيلُهُ على رمل الحياةِ الواقعيَّة التي تصدمني بقبح ما فيها .
وفي الأحلام يعيشُ الكاتبُ حيواتٍ كثيراتٍ ، ويكشفُ في اللغةِ التي يكتبُ بها لغاتٍ أكثرَ ، ويبقى مجازُهُ مشحوذًا ومشتعلا ، ولا يريد أن ينزلَ من حدائقه المعلقة ليلمس الأرض .
والكاتبُ ليس قطارًا يمشي على صراطه ، إذْ لابد منَ الخُروج ، ومنَ السقوط والنهوض من جديدٍ ، لابد له من أن ينطحَ حوائطَ السَّموات ، قبل أن ينطحَ حوائطَ الأرضِ ، وأن يكتبَ عما يعرفُ ، وإنْ لم يَكُن يعرفُ فعليه أن يخلقَ معرفتَهُ .
وأن يذهبَ إلى الشيء بطرقٍ شتَّى ، لأنَّ الشيءَ الواحدَ على عدد أنفاس البشر ، فمثلي يكتبُ لأنَّهُ لايستطيعُ أن يفعلَ أيَ شيءٍ آخرَ ، أو هكذا خُلق كاتبًا ، حاول أن يُخلِّص نفسَهُ من أي قيودٍ ، وحتى تحتِ وطأة القيودِ المفروضةِ اجتماعيًّا ونفسيًّا على الكاتب أن يخلُقَ حريتَه داخله ، لأنَّهُ ربما يكُونُ الكائنُ الوحيدُ على الأرض الذي يرأسُ نفسه ، ولا أحد سواه يتحكَّم في خياله .
ورغم أنَّ الكتابةَ هي عالمُ التوتر والقلقِ ، فهي نفسها تُوتِّرُ وتُقْلِقُ ، ولذا أفضِّلُ القراءةَ عليها ، وأتمنَّى لو كنتُ قارئًا فقط ، وما يُربكُني وأفكِّرُ فيه كثيرًا ، أنَّني سأموتُ دونَ أن أكْملَ قراءةَ ما اقتنيتُ من كتبٍ أحبُّ قراءتها ، وليس دونَ أن أكتبَ ما أريدُ ، وأنَّني سأمُوتُ وستصدرُ كتبٌ مهمةٌ بعد رحيلي ، للأسف لن أتمكنَ من قراءتها ، لأن دُودَ مقبرتي في القرية ، سيكونُ قد تغذَّى على نُور عينيَّ ، ومع ذلك لن يبصرَ ما وراء الأشياء كمثل صاحب النور .
ومنذ كنتُ في القرية حاولتُ ومازلتُ ، أن يكونَ طائري أو قِطِّي مختلفًا عن طيورِ أو قططِ الآخرين ، لأنهُ حقيقةً خارجٌ من رحم رُوحي ، سقيتهُ دمي ، وأطعمتُه لُغتي ، وتغذَّى على تجاربي ، لذا أحاولُ أن يكون شبيهي عندما يخرج منِّي ويمشي بين الناس ، وساعتها سيقولون هذا طائرُ أحمد ، أو هذا قطُّ أحمد .
ورغم فشلي في تكوين ثروةٍ من عملي في الصحافة تُعينني على الحياة ، فإنني نجحتُ بامتياز في تكوين ثروةٍ من الشَّك والقلقِ وعدم اليقينِ ، بل أراني دومًا ملكَ الصِّفْر ، وصرتُ من سنواتٍ أحبُّ الصِّفْرَ أكثر من حُبِّي للأرقام ، وربَّما لا يُنافسُ هذا الحب سوى حُبي لحرف الألف وعطفي الدائم على همزته المُعلَّقة والتي لا يُقدَّر لها أن تجلسَ أو تنامَ ، فقط خُلقت لتسهرَ على ألفها حامل الأسرار وشيخ الحروف .

محمد اقديم: الحاصول هو… الفقر يصوّت، والمال يحصد، والسلطة تتفرّج!
مجلس حقوق الإنسان يرصد خروقات انتخابية.. واستعمال الدين والمال والعنف في صدارة الملاحظات
بين «العدالة والتنمية» و«الأصالة والمعاصرة».. خلاف مبكر حول الحكومة المقبلة
تحالف اليسار يرفع تمثيليته البرلمانية إلى ثمانية مقاعد في انتخابات 23 شتنبر