أدونيس يدخل عالم الفن البصري بمعرض يزاوج بين القصيدة والمادة

كش بريس/خاص ـ حين يعجز الشعر عن الاكتفاء باللغة وحدها، يبحث عن منافذ أخرى للقول. هكذا تبدو تجربة أدونيس التشكيلية أقرب إلى هجرة رمزية من سلطة الكلمات إلى فضاء المادة، ومن القصيدة المكتوبة إلى القصيدة المرئية. فالمسألة لا تتعلق بشاعر قرر أن يرسم، بل بمفكر ظل منشغلاً بالسؤال ذاته: كيف يمكن إعادة بناء المعنى خارج القوالب الجاهزة التي تفرضها المؤسسات الثقافية والأعراف الجمالية؟

وفي هذا السياق، احتضنت إحدى القاعات الفنية بمدينة شيكاغو في التاسع من شتنبر 2023 أول معرض فني فردي لأدونيس تحت عنوان “هكذا يولد الحب”، في خطوة بدت أقرب إلى امتداد طبيعي لمشروعه الثقافي والفلسفي منها إلى مجرد انتقال من الشعر إلى الرسم.

من اللوحة إلى “الرقيمة”.. تفكيك المفهوم السائد للفن

ما يلفت الانتباه في هذه التجربة ليس فقط دخول شاعر إلى فضاء التشكيل، بل رفضه منذ البداية لمفهوم “اللوحة” كما استقر في الذائقة الفنية الحديثة. فقد اختار أدونيس تسمية أعماله بـ”الرُّقم” أو “الرقيمات”، في استعادة رمزية لمفهوم الكتابة الأولى والنقش البدائي، حيث تتداخل العلامة البصرية مع الأثر الثقافي والذاكرة الإنسانية.

وضم المعرض أكثر من خمسين رقيمة، أنجزت من مواد تبدو للوهلة الأولى خارج المجال الفني: أقمشة مهترئة، أخشاب قديمة، أسلاك معدنية، قطع حديد صدئة، ومخلفات مادية فقدت قيمتها الاستعمالية. غير أن هذه العناصر تتحول داخل العمل إلى حوامل جديدة للمعنى، تتجاور فيها الكتابة مع اللون، والشعر مع المادة، والذاكرة مع الهشاشة.

جمالية المهمش ومقاومة ثقافة الاستهلاك

من منظور سوسيولوجي، يمكن قراءة هذه التجربة باعتبارها احتجاجاً رمزياً على الثقافة الاستهلاكية التي تقيس قيمة الأشياء بقدرتها على الاستعمال أو الربح أو الزينة.

فأدونيس لا يبحث عن المواد النفيسة ولا عن الجمال المصقول، بل يذهب نحو ما لفظته الحياة اليومية: القماش البالي، الخشب المتآكل، الحديد الصدئ. وكأن الفنان يعيد الاعتبار لما يسميه علماء الاجتماع “هامش الأشياء”، أي تلك العناصر التي يقرر المجتمع إخراجها من دائرة القيمة.

وفي هذا المعنى، تصبح الرقيمة فعلاً ثقافياً مضاداً لمنطق الاستهلاك؛ إذ تمنح حياة جديدة لما اعتُبر منتهياً أو فاقداً للجدوى، وتحول المهمل إلى مادة للتأمل الجمالي والفكري.

الكولاج بوصفه فلسفة لا تقنية

اعتمد أدونيس في أعماله على تقنية “الكولاج”، غير أن الأمر يتجاوز البعد التقني إلى رؤية فكرية كاملة. فالكولاج هنا ليس مجرد تجميع لعناصر متفرقة، بل محاولة لإعادة تركيب العالم من شظاياه.

إنه منطق ثقافي قريب من واقع الإنسان المعاصر الذي يعيش وسط هويات متداخلة وذاكرات متكسرة وخطابات متعارضة. لذلك تبدو الرقيمات وكأنها مرايا لعالم فقد انسجامه القديم، وأصبح مطالباً بإنتاج معانٍ جديدة من بقايا المعاني السابقة.

ولهذا السبب يصعب النظر إلى أعمال أدونيس باعتبارها رسوماً بالمعنى التقليدي؛ فهي نصوص بصرية مفتوحة، لا تفرض معنى واحداً على المتلقي، بل تدفعه إلى المشاركة في إنتاج الدلالة.

الشاعر الذي يكتب بالحديد والخشب

في عمق هذه التجربة لا يغادر أدونيس الشعر، بل يغير أدواته فقط. فالكلمات التي كانت تستقر على الورق تنتقل هنا إلى القماش والخشب والحديد، فيما تتجاور مقاطع من قصائده مع أبيات لشعراء عرب قدامى أحبهم وتأثر بهم.

وهكذا تتحول الرقيمة إلى فضاء حواري بين الأزمنة والثقافات، بين الشاعر وأسلافه، وبين اللغة وما يتجاوز اللغة. إنها محاولة لتوسيع مفهوم الكتابة نفسها، بحيث لا تعود الكلمات وحدها قادرة على حمل المعنى، بل تشاركها المادة واللون والأثر والزمن.

الفن باعتباره فعلاً للحرية

لا تكمن أهمية هذه التجربة في قيمتها التشكيلية فقط، بل في قدرتها على مساءلة التصنيفات الثقافية الجاهزة. فكما تمرد أدونيس سابقاً على الأشكال الشعرية المغلقة، يتمرد هنا على الحدود التي تفصل بين الشاعر والفنان، وبين النص والصورة، وبين الثقافة الرفيعة والأشياء اليومية البسيطة.

ومن هذه الزاوية، يبدو معرض “هكذا يولد الحب” امتداداً لمشروع أدونيس الفكري أكثر مما هو حدث فني عابر؛ مشروع يراهن على تحرير الإبداع من قوالبه الموروثة، وعلى إعادة اكتشاف الجمال في ما أهملته العين والعادة معاً.

ففي عالم يتجه نحو التنميط والتشابه، يقترح أدونيس شكلاً آخر من المقاومة الثقافية: أن نصغي إلى الأشياء التي صمتت طويلاً، وأن نعيد للمهمل والمنسي حقه في الوجود والمعنى والجمال.

Exit mobile version