ـ إنفيديا وAMD ومايكرون تتكبد خسائر مع تصاعد المخاوف بشأن طفرة الذكاء الاصطناعي ـ
كش بريس/التحرير ـ
ثمة مفارقة بدأت تتكشف في قلب الطفرة التكنولوجية التي أعادت رسم خريطة الأسواق العالمية: القلق لم يعد موجهاً إلى الذكاء الاصطناعي من الخارج، وإنما صار يتسرب من داخله. فالشركات التي دفعت بهذه الصناعة إلى أقصى حدود التسارع، وفتحت أمامها شهية استثمارية غير مسبوقة، بدأت تواجه وجهاً آخر لنجاحها؛ كل قفزة جديدة في قدرات النماذج ترفع معها كلفة السباق، وتوسع دائرة المخاطر، وتضع مليارات الدولارات المستثمرة أمام سؤال لم يكن يحظى بالقدر نفسه من الاهتمام: ماذا لو أصبح التوسع أسرع من قدرة السوق على تحويله إلى قيمة؟
لهذا لم يكن تراجع أسهم التكنولوجيا والرقائق مجرد حركة عابرة في البورصات. ما اهتز هو اليقين الاقتصادي الذي رافق الذكاء الاصطناعي منذ صعود تشات جي.بي.تي؛ ذلك اليقين الذي افترض أن الإنفاق الهائل على مراكز البيانات والرقائق والطاقة والنماذج سيجد دائماً مبرره في نمو لا سقف له. وحين يبدأ كبار الفاعلين أنفسهم في التحذير من سرعة التطور ومن أخطار قد تبلغ مستوى التهديد الوجودي، فإن السوق يواجه احتمالاً أكثر إرباكاً: أن تكون الصناعة بصدد اكتشاف حدودها في اللحظة التي كان المستثمرون يراهنون فيها على غياب تلك الحدود.
وتزامنت موجة التراجع مع تحذيرات غير مسبوقة أطلقها مسؤولون عن أكبر مختبرات الذكاء الاصطناعي بشأن السرعة التي تتطور بها النماذج، وبشأن احتمال اتساع نطاق استخدامها في أنشطة يصعب التحكم في نتائجها.
وكان داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، قد دعا في مقال مطول نشره على منصة “إكس” إلى إبطاء وتيرة تطوير قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي، في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بإساءة استخدامها. ولم يكن موقفه معزولاً؛ إذ أبدى إيلون ماسك، رئيس شركة “إكس إيه آي”، وسام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ“أوبن إيه آي”، مواقف متقاطعة مع بعض هذه التحذيرات.
وفي مؤشر إضافي على حساسية اللحظة، قال ألتمان إن “أوبن إيه آي” لن تمضي هذا العام في طرح عام أولي، مستنداً إلى اعتبارات تتصل بالسلامة.
لكن الأسواق لم تتعامل مع هذه التصريحات بوصفها مجرد سجال أخلاقي حول مستقبل التقنية، وإنما قرأتها من زاوية أكثر قسوة: ماذا لو بدأ السباق الذي غذّى صعود أسهم الذكاء الاصطناعي يفرض سقفاً مالياً على نفسه؟
فقد تراجع مؤشر “ناسداك 100” بنسبة 1.2 بالمئة في بداية التداول، مسجلاً أدنى مستوى له في ستة أسابيع، فيما تعرضت شركات الرقائق، التي كانت في مقدمة المستفيدين من طفرة الذكاء الاصطناعي، لخسائر حادة.
وانخفض مؤشر فيلادلفيا للرقائق بنسبة 5.1 بالمئة، بينما تراجعت أسهم “إنفيديا” 3.6 بالمئة، و“إيه إم دي” 5.6 بالمئة، و“مايكرون” 6 بالمئة، في وقت سجلت فيه أسهم “سبيس إكس” المملوكة لإيلون ماسك تراجعاً بنسبة 1.6 بالمئة.
وامتدت العدوى إلى أوروبا وآسيا. فقد خسر قطاع التكنولوجيا الأوروبي 2.2 بالمئة، متأثراً خصوصاً بانخفاض سهم “إيه إس إم إل” بنسبة 5.9 بالمئة، بينما تكبدت “إنفينيون” و“سيمنس إنيرجي” خسائر كبيرة. وفي آسيا، هبط سهم “سوفت بنك” بما يصل إلى 13.2 بالمئة، وتراجعت أيضاً أسهم “تايوان لأشباه الموصلات” و“إس كي هاينكس”.
ولأن المسألة لا تتعلق بالأسهم وحدها، فإن القلق الحقيقي يكمن في حجم الاقتصاد الذي نشأ حول الذكاء الاصطناعي. فقد أصبحت الشركات تعتمد بصورة متزايدة على الاقتراض وترتيبات تمويلية معقدة لتمويل خطط إنفاق ضخمة على مراكز البيانات والطاقة والرقائق والبنية التحتية، في وقت ترتفع فيه كلفة الاقتراض العالمية، وهو ما يضغط على الحسابات الاقتصادية التي تقوم عليها هذه الاستثمارات.
وحذر ستيف سوسنيك، كبير محللي السوق لدى “إنتراكتيف بروكرز”، من أن أي تباطؤ فعلي في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي قد تكون له تداعيات تتجاوز شركات التكنولوجيا إلى الاقتصاد وقطاعات واسعة من سوق الأسهم، بعدما أصبح جزء من النمو مدفوعاً بالإنفاق الاستثماري المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
الخوف من الآلة التي تتقدم أسرع من قدرتنا على السيطرة عليها
لم تولد هذه المخاوف في قاعات البورصة. فقد تصاعدت في الأسابيع الأخيرة داخل مختبرات الذكاء الاصطناعي نفسها.
وكان الباحث جاكوب كوكسون قد غادر شركة “أنثروبيك”، محذراً من أن العاملين في صناعة الذكاء الاصطناعي يتعاملون بجدية مع احتمال أن تصبح التقنية تهديداً وجودياً للبشرية خلال العقد المقبل.
وبعد ذلك، نشرت “أنثروبيك” تقريراً مفصلاً حول التهديدات التي يمكن أن تنشأ عن استخدام نماذجها، موضحة إمكان توظيفها في مجالات تمتد من تطوير الأسلحة والعمليات السيبرانية إلى المراقبة والاحتيال.
ثم جاء تحذير أمودي الأكثر إثارة للقلق، حين قال إن برامج الذكاء الاصطناعي قد تصبح، خلال فترة تتراوح بين ستة واثني عشر شهراً، قادرة على السيطرة على أجزاء واسعة من الإنترنت، بما قد يفضي إلى أضرار اقتصادية هائلة.
أما ألتمان، فذهب إلى أبعد من التحذير التقليدي من سوء الاستخدام، عندما وصف مخاطر انقراض البشرية التي قد يسببها الذكاء الاصطناعي بأنها “غير مقبولة”.
وهنا تتخذ المسألة مفارقتها الكبرى: الصناعة التي تطلب من العالم أن يسرّع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي هي نفسها التي بدأت تحذر من أن التسارع قد يتجاوز قدرة البشر والمؤسسات والأسواق على استيعابه.
وفي الولايات المتحدة، تصاعدت الضغوط السياسية من أجل وضع قواعد جديدة للقطاع، بينما حاول الرئيس دونالد ترامب التقليل من شأن بعض المخاوف، متحدثاً عن “مؤامرة خبيثة” تستهدف الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
هل نحن أمام بداية تصحيح أم مجرد هلع عابر؟
رغم ذلك، لا يرى الجميع في موجة التراجع الحالية مؤشراً على نهاية طفرة الذكاء الاصطناعي.
فبعض المستثمرين تعاملوا مع تحذيرات قادة الصناعة باعتبارها ضجيجاً إعلامياً أكثر منها تحولاً اقتصادياً حقيقياً. وكان المستثمر مايكل بوري، المعروف بتوقعه انهيار سوق الإسكان الأمريكي قبل الأزمة المالية لعام 2008، من بين المشككين، معتبراً أن هذه التحذيرات قد تكون غطاءً لتباطؤ حقيقي لا تستطيع الشركات السيطرة عليه.
وفي المقابل، يستند المتفائلون إلى أرقام الإنفاق الرأسمالي نفسها. فحجم الالتزامات التي قطعتها الشركات والدول على تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يجعل التراجع الطوعي عن السباق أمراً بالغ الصعوبة.
وكان تيد بيك، الرئيس التنفيذي لمورغان ستانلي، قد توقع أن يتجاوز الإنفاق على الذكاء الاصطناعي 1.3 تريليون دولار بحلول عام 2027.
أما “دويتشه بنك”، فيضع السؤال في مكان أكثر دقة: هل ما نراه هو أول مؤشر على تباطؤ دورة الاستثمار الاستثنائية في الذكاء الاصطناعي؟
الإجابة، وفق تقديره الحالي، لا تزال تميل إلى النفي. فالمنافسة بين الشركات والدول محتدمة، والتراجع في الإنفاق قد يعني ببساطة منح المنافسين فرصة للتقدم.
وهنا تكمن عقدة الاقتصاد الجديد: قد لا يكون بمقدور أي شركة أن تتوقف عن السباق، حتى عندما تبدأ في الاعتقاد بأن السباق نفسه أصبح خطراً.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعاً تقنياً منفصلاً عن بقية الاقتصاد؛ لقد أصبح بنية تحتية للاستثمار والتقييمات البورصية والطاقة ومراكز البيانات والرقائق وسلاسل التوريد، بل وجزءاً من رهانات الدول على القوة الاقتصادية والتكنولوجية.
ولهذا فإن الخوف الذي انعكس على الأسواق لا يتعلق فقط بإمكان أن تصبح الآلات أكثر ذكاءً من المتوقع، وإنما بإمكان أن تكون فاتورة هذا الذكاء أكبر من قدرة الاقتصاد على تحملها.
وقد يكون تراجع الأسهم مجرد تصحيح عابر. وقد يكون بداية إعادة تسعير عميقة لاقتصاد الذكاء الاصطناعي. لكن المؤشر الأكثر دلالة ربما يكمن في مكان آخر: عندما يبدأ قادة الصناعة أنفسهم في السؤال عن حدود السرعة، فإن السوق يبدأ، للمرة الأولى، في التساؤل عن حدود القيمة التي يمكن أن تنتجها هذه السرعة.

مصطفى المنوزي: ملحق حول الحزب والمجتمع والمؤسسات
من المجتمع المدني إلى الأمم المتحدة.. “ماروميد مبادرات” تطلب إعادة فتح ملف سبتة ومليلية والجزر الجعفرية
مسنة في الـ75 تتعرض لاعتداء جنسي داخل منزلها بزمران الشرقية.. والدرك يوقف المشتبه فيه
هيئة وطنية لمكافحة الفساد تطالب النيابة العامة بحماية خبرائها ومبلّغيها وتشتكي من «انتهاكات جسيمة»