«أفروبارومتر»: المغاربة يؤيدون حرية التنقل والتجارة.. ويتحفظون على الهجرة وتأثيراتها الاقتصادية

كش بريس/التحرير ـ

بين الرغبة في عالم أكثر انفتاحاً على الحركة والتجارة، والحذر من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للهجرة، ترسم مواقف المغاربة صورة مركبة تجاه الحدود والآخر والهجرة. فالمغربي الذي يؤيد، بأغلبية واضحة، حرية التنقل والعمل والتبادل التجاري، يبدو في الوقت نفسه أكثر تحفظاً عندما تتحول الهجرة من حق في الحركة إلى واقع اقتصادي واجتماعي داخل البلاد.

هذه الخلاصة تبرزها نتائج الجولة العاشرة من استطلاعات شبكة «أفروبارومتر»، المنجزة خلال 2024 و2025 في 38 دولة أفريقية، والتي تكشف أيضاً تحولات في نظرة المغاربة إلى القوى الدولية الكبرى، ومواقفهم من التجارة العالمية، والحرب الروسية الأوكرانية، والتغير المناخي، وموقع أفريقيا داخل النظام الدولي.

وتستند نتائج التقرير إلى الجولة العاشرة من استطلاعات الشبكة، التي أُجريت خلال سنتي 2024 و2025 في 38 دولة أفريقية، وتقدم مؤشرات متعددة حول اتجاهات الرأي العام المغربي في قضايا تتصل بالحدود والهجرة والتجارة والسياسة الدولية والمناخ.

حرية التنقل تحظى بتأييد واسع رغم صعوبة عبور الحدود

أظهر الاستطلاع أن 63 في المائة من المغاربة يؤيدون حرية التنقل بين دول المنطقة بغرض العمل أو التجارة، مقابل 25 في المائة يفضلون فرض قيود على هذا التنقل بهدف حماية فرص العمل للمواطنين.

وتضع هذه النتيجة المغرب في صدارة دول شمال أفريقيا الثلاث التي شملها المؤشر من حيث تأييد حرية التنقل، متقدماً على تونس، التي بلغت فيها النسبة 51 في المائة، وموريتانيا بـ30 في المائة.

غير أن هذا الانفتاح المعلن يصطدم بعقبة عملية عند الحدود؛ إذ لا يعتبر سوى 21 في المائة من المغاربة أن عبور الحدود للعمل أو التجارة سهل أو سهل جداً، في حين يصفه 66 في المائة بأنه صعب أو صعب جداً.

وتكشف هذه المفارقة عن فجوة واضحة بين الموقف المبدئي من حرية الحركة وبين التجربة الفعلية للتنقل عبر الحدود.

الهجرة تظل خياراً متخيلاً لدى شريحة من المغاربة

رغم محدودية نسبة من يفكرون بكثافة في مغادرة البلاد، فإن فكرة الهجرة لا تزال حاضرة في وعي جزء من المغاربة. فقد أفاد 16 في المائة بأنهم فكروا «كثيراً» في الانتقال للعيش في بلد آخر خلال الفترة 2024-2025، مقابل 13 في المائة في استطلاع 2016-2018.

وتبدو الرغبة في الهجرة أكثر وضوحاً عند توسيع المقارنة إلى مؤشرات دولية أخرى؛ إذ أظهرت بيانات مشتركة لـ«البارومتر العربي» و«لاتينوبارومترو» أن 36 في المائة من المغاربة فكروا في الهجرة إلى الخارج، متجاوزين المتوسط المسجل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والبالغ 32 في المائة.

الترحيب بالمهاجر كجار لا يعني القبول بتوسع الهجرة

في المواقف المتعلقة باستقبال المهاجرين واللاجئين، تقدم نتائج الاستطلاع صورة أكثر تعقيداً.

فـ78 في المائة من المغاربة يرحبون بالمهاجرين والعمال الأجانب كجيران أو لا يمانعون في ذلك، بينما تنخفض النسبة إلى 56 في المائة عندما يتعلق الأمر باللاجئين الفارين من العنف السياسي أو الاضطهاد.

لكن التحفظ يصبح أكثر وضوحاً عندما تنتقل المسألة من بعدها الإنساني والاجتماعي إلى بعدها الاقتصادي؛ إذ لا يرى سوى 21 في المائة أن السماح للأجانب بالقدوم إلى المغرب للعيش والعمل يمثل أمراً إيجابياً للاقتصاد الوطني، وهي من أدنى النسب المسجلة في القارة، ولا تتقدم عليها سوى جنوب أفريقيا بنسبة 17 في المائة.

وعندما سُئل المشاركون عن حجم استقبال الباحثين عن العمل من الخارج، أيد 4 في المائة فقط زيادة العدد، مقابل 38 في المائة يفضلون الإبقاء عليه عند مستواه الحالي، و45 في المائة يرغبون في تقليله، بينما يرى 6 في المائة أنه ينبغي عدم استقبال أي باحث عن عمل من الخارج.

أما بالنسبة إلى اللاجئين، فلم تتجاوز نسبة الذين يؤيدون الإبقاء على العدد الحالي أو رفعه 35 في المائة.

التجارة العالمية تتقدم على الرهان التجاري القاري

في المجال الاقتصادي، تبدو مواقف المغاربة أكثر انفتاحاً على التجارة العالمية منها على الخيارات التجارية الإقليمية.

فقد أعرب 72 في المائة عن تفضيلهم توسيع العلاقات التجارية مع جميع دول العالم، مقابل 11 في المائة يفضلون التركيز على الدول الأفريقية، و5 في المائة فقط يفضلون حصر المبادلات داخل المنطقة.

كما أيد 65 في المائة تسهيل الحكومة للتجارة مع الدول الأخرى، مقابل 25 في المائة يفضلون حماية المنتجين المحليين، وهي أعلى نسبة تأييد للتجارة الحرة بين دول شمال أفريقيا المشمولة بالاستطلاع.

لكن هذا الانفتاح لا يرافقه وعي مماثل بالمشاريع التجارية القارية؛ إذ لم يسمع سوى 6 في المائة من المغاربة بمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، وهي نسبة قريبة من المتوسط المسجل في شمال أفريقيا والبالغ 5 في المائة.

واشنطن وبكين تخسران جزءاً من رصيدهما لدى المغاربة

تكشف نتائج الاستطلاع عن تغير مهم في نظرة الرأي العام المغربي إلى القوى الدولية الكبرى.

فقد تراجعت النظرة الإيجابية إلى الولايات المتحدة من 85 في المائة خلال الجولة الثامنة من الاستطلاع، المنجزة بين 2019 و2021، إلى 59 في المائة في الجولة العاشرة 2024-2025، أي بانخفاض بلغ 26 نقطة مئوية، وهو أكبر تراجع مسجل في الدول المشمولة بالاستطلاع.

وسجلت الصين بدورها تراجعاً في صورتها الإيجابية لدى المغاربة، من 80 في المائة إلى 60 في المائة، أي بانخفاض قدره 20 نقطة.

في المقابل، حافظ الاتحاد الأوروبي على صدارة القوى الدولية من حيث النظرة الإيجابية لدى المغاربة بنسبة 69 في المائة، متقدماً على الصين بـ60 في المائة والولايات المتحدة بـ59 في المائة.

وحصلت روسيا على 34 في المائة، وفرنسا على 32 في المائة، والهند على 28 في المائة.

ويضع ذلك المغرب ضمن أربع دول أفريقية، إلى جانب غامبيا ومدغشقر وسيراليون، يتصدر فيها الاتحاد الأوروبي قائمة القوى الدولية الأكثر إيجابية في نظر المواطنين.

حرب أوكرانيا.. الرأي العام المغربي يختار المسافة

في ما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، تبدو النزعة إلى عدم الانحياز أكثر وضوحاً.

فمن بين المغاربة الذين سبق لهم أن سمعوا بالحرب، يؤيد 74 في المائة التزام بلادهم الحياد، مقابل 6 في المائة يفضلون دعم روسيا و7 في المائة يؤيدون أوكرانيا.

وتتجاوز نسبة تأييد الحياد في المغرب بقليل المتوسط الأفريقي البالغ 72 في المائة، بما يعكس استمرار تفضيل موقف بعيد عن الاصطفاف المباشر في الصراع.

صورة مختلفة عن أدوار القوى الدولية خلال الجائحة

في تقييم المساعدات التي تلقتها المملكة خلال جائحة كوفيد-19، اعتبر 31 في المائة من المغاربة أن الولايات المتحدة كانت الطرف الأكثر مساعدة للمغرب، تلتها الصين بـ23 في المائة، ثم الدول الأوروبية بـ20 في المائة، والاتحاد الأفريقي أو مركز مكافحة الأمراض الأفريقي بـ5 في المائة.

ويضع هذا المغرب ضمن خمس دول أفريقية فقط صنفت الولايات المتحدة باعتبارها الجهة الأكثر إسهاماً في مساعدة البلاد خلال الجائحة، في حين منحت غالبية الدول الأفريقية المشمولة، وعددها 19 دولة، هذه الأفضلية للصين.

المناخ يتحول إلى قضية مسؤولية دولية

وفي ملف التغير المناخي، سجل المغرب أحد أبرز التحولات في المواقف الأفريقية، بعدما ارتفعت بـ42 نقطة مئوية نسبة الذين يحملون الدول الغنية والمتقدمة المسؤولية الرئيسية عن مواجهة تغير المناخ بين استطلاعي 2021-2023 و2024-2025، وهي أكبر زيادة مسجلة بين الدول الـ35 التي شملها هذا المؤشر.

ويعتقد 64 في المائة من المغاربة الذين لديهم وعي بقضية المناخ أن الدول الغنية تتحمل المسؤولية الأولى عن تغير المناخ، وهي النسبة نفسها تقريباً المسجلة في تونس وسيشيل.

في المقابل، يحمل 17 في المائة الحكومة المغربية المسؤولية الرئيسية، مقابل 2 في المائة للمواطنين و9 في المائة لقطاع الأعمال والصناعة.

وتعكس هذه الأرقام، وفق اتجاهات الاستطلاع، انتقال جزء من النقاش المناخي من مسؤولية الأفراد والدول منفردة إلى سؤال العدالة المناخية وتقاسم المسؤوليات بين الدول الغنية والدول النامية.

ثقة متفاوتة في المؤسسات الإقليمية

على مستوى المؤسسات الإقليمية، منح 61 في المائة من المغاربة تقييماً إيجابياً لتأثير الاتحاد الأفريقي على بلادهم، مقابل 53 في المائة بالنسبة إلى اتحاد المغرب العربي.

وتقترب هذه النتائج من المتوسط المسجل في شمال أفريقيا، حيث بلغ التأييد الإيجابي للاتحاد الأفريقي 63 في المائة، مقابل 47 في المائة للمنظمات الإقليمية.

وعلى نطاق القارة بأكملها، تكشف نتائج أفروبارومتر عن رغبة واضحة في إعادة صياغة موقع أفريقيا داخل النظام الدولي؛ إذ يؤيد 71 في المائة من الأفارقة منح بلدانهم نفوذاً أكبر داخل المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة.

ويعكس هذا الاتجاه، في بعده الأوسع، صعود مطلب أفريقي يتجاوز حدود التعاون الإقليمي إلى إعادة النظر في موقع القارة داخل موازين القوة العالمية، وفي قدرتها على التأثير في المؤسسات التي تصوغ قواعد النظام الدولي.

Exit mobile version