أ د. عبد القادر بن الحسن الفاسي الفهري: الغول والنعجة والمواطن

في اليوم الذي يكثف فيه مجرم الحرب المطلوب عالميا بنيامين نتنياهو اغتيال أبطال المقاومة الفلسطينية واحدا واحدا، ويبيد غزة والضفة ولبنان، ويحول البيوت والمساجد والمدارس إلى ركام، ويصفي أبرياء الأطفال والنساء والشيوخ الفلسطينيين في أراضيهم المحتلة، ويتسلح بآلاف أطنان القنابل المخترقة والمدمرة للحياة والإنسان تخطيطا للمزيد من الاعتداء والهدم والاحتلال، وفي الوقت الذي تتعالى فيه ملايين الأصوات الأمريكية والأوروبية والأسيوية والدولية مُنددةً بالحروب والإبادات الظالمة، وفي اليوم الذي يخرج فيه شريط ‘نازا’ من قلب إسرائيل لتوثيق جرائم حرب الجيش الإسرائيلي في فلسطين، إلخ، لم تجد حكومة ‘السيادة’ المغربية فرضة أجود من أن تحتفل في نيويورك برفع التمثيل الإسرائيلي بالمغرب إلى مستوى سفارة، غير آبهة بمشاعر المواطن المغربي الحر الأصيل، الذي ما فتئ يندد بالتطبيع مع المجرم نتنياهو، وحماقة القذف بالمغرب وتاريخه وكرامته وسيادته في خندق المعتدين المحتلين والمجرمين المنبوذين أخلاقيا ودوليا. وطلع علينا بكل وقاحة واستهتار وزير ‘السيادة’ في الخارجية يشرح أنه ‘لا يتفق 100% مع إسرائيل’، وأن هذه الفعلة تتيح التوسط للفلسطينيين لأن يحصلوا على بعض الأكياس من الطحين! حتى وقد أوضح معظم المحللين الموضوعيين أن الفعلة أكبر هدية للمجرم المعزول المهزوز نتنياهو، دعما له في انتخاباته (وربما دعما لترمب أيضا في انتخاباته النصفية). وهذه الخرجة الجديدة ليست إلا نموذجا من الخرجات غير الرصينة التي دأبت على القيام بها الحكومة ‘السيادية” المغربية، بدون استشارة أحد، وبدون حساب ولا عقاب، لأنها استشاطت طغيانا وتغولا، واختارت عن قصد تمريغ كرامة المواطن المغربي وعزته في أوحال الذل والتبعية، التي لم يعد معها اعتبار لمشاعره وقيمه الإنسانية، ودينه ولغته وثقافته التاريخية، وتماسكه الروحي والقيمي، وكفاحه من أجل التحرر من التبعية والاستعمار القديم والجديد، وذوده عن الحق والقانون والعدل، وتمكين هويته المترسخة عبر التاريخ. ولم يعد هناك شك في أن الحكومة ‘السيادية’ ما فتئت تسعى منذ عقود إلى زحزحة هذه الهوية ونقلها إلى هوية هشة قوامها الإلحاد والشذوذ، والتخلص من الدين والأعراف، لصالح التكيف مع التطبيع الثقافي مع صهيون، والريع والكسب غير المشروع، وتحويل الشعب إلى متلهف إلى الأوراق الزرقاء، دون قيد أو شرط، أو ابتلاع المآدب، إلخ. فهذه الحكومة ‘السيادية’ مقطوعة عن الشعب، وهي تصدر القرارات دون تدبر للنتائج، ودون أن تخشى من يحاسبها، بصفتها صماء لما يتطلع إليه المواطن من الاشتراك في المعلومة والاختيار، والحق في العيش الكريم والصحة والتعليم والشغل، والتوزيع العادل للثروة، والحفاظ على الكرامة، إلخ.

ويحظى المغاربة بحكومة ثانية ‘غير سيادية’، حتى وإن كانت دستورية، وهي لا تقوم عموما بمهاهما الطبيعية التي يخولها لها الدستور، وإنما تُحَوَّل بالأساس إلى تمرير قرارات حكومة ‘الظل’ (‘السيادية’) غير الدستورية، فتصبح حكومة ‘مستنعَجة’ (نسبة إلى ‘النعجة’). تمرر القرارات الكبرى المخلة عموما بالتوازن المجتمعي، والتماسك والأمن الوطنيين، والمناقِضة للوعود التي قدمت للناخبين، في البرلمان ومجلس الوزراء عبر ‘أغلبية’ أفرزتها صناديق الاقتراع، يلعب فيها أصحاب المال والأغنياء والمليارديرات الجدد المتوالدون (بفضل حكومة الظل والريع والكسب غير المشروع) دورا أساسيا في إمالة الكفة لصالح الأغلبية الطاغية العابثة. ويصبح الطغيان والولاء. والفساد هو المتحكم في القرارات، وتتحول بموجبه طبقة من المواطنيين الشرفاء إلى محتاجين أو متسولين، ويصبح التعليم والصحة والعدل لمن يدفع أكثر، إلخ. وفي نفس الوقت، تهمش الأسئلة الوطنية وأسئلة الهوية، وأسئلة الأمن الثقافي واللغوي، والعسكري، وحتى الغذائي، إلخ.

لقد نالت حكومة سعد الدين العثماني الدرجة العليا في ‘الاستنعاج’ حين وقّع رئيسها على أخطر تطبيعين في تاريخ حكومات ما بعد الاستقلال، يمسان بكرامة المغاربة الأحرار ووجودهم ومستقبلهم: (1) التطبيع مع العدو الصهيوني المفترس لكل شيء، و(2) التطبيع مع الفرنكفونية المتغولة (عبر القانون الإطار للتعليم). ومعلوم أن الاقتصاد والمال يتداخلان مع السياسة والثقافة في الاتفاقين، بسبب الرفاه والانفتاح على الأسواق والاستثمارات العالمية الموعودين، إلخ.

لقد ابتعلت الحكومة الحالية لسانها عندما حصل الارتحال الكبير إلى سبتة، وزهقت أرواح عديدة من شباب المغرب في الغرق وغيره، ولم تأبه أي من الحكومتين أن تعزي في الضحايا، أو تعلن الحداد، أو حتى التضامن أو المؤاساة. ووُوجٍه جيل ‘ز’ بالقمع والسجون، دون أن يوضع أي مخطط ناجع لمساعدة الشباب، إلخ. إن الحكومة لا تنصت إلى ما يطلبه الشعب من أشياء معقولة، قد يجعله تنفيذها ملتفا حول دولته. بل إن المغرب يبدو وكأنه اختار تعميق الهوة بين الحكومة والشعب، مما يهدد استقراره وثوابته ووجوده.

ونحن على أبواب الانتخابات التشريعية، أقدر تردد المغاربة بين المشاركة والمقاطعة، لأن التجارب السابقة غير مشجعة. ولوبيات المال والريع والكسب غير المشروع ولوبيات التطبيع الشامل مع الكيانات المارقة ومجرمي الحرب المطلوبين للعدالة الدولية لم تَعِ بعد خطورة الوضعين المغربي والدولي، في وقت تهتز فيه الدول أو تسقط، أو يعاد استعمارها بالقوة، إلخ. إلا أن الناخبين المغاربة الأحرار مطالبون بالصمود، وبالعمل على اختيار من هو الأصلح لتمثيلهم والدفاع عن حريتهم وكرامتهم، وهويتهم الحضارية والثقافية واللغوية، وتمكينهم من الخبز والشغل بلا مذلة، والعيش المواطن الكريم. عليهم أن يختاروا من هو أقل استعدادا للاستنعاج أما م غول حكومة الريع والولاء، التي تلوح مرة أخرى بأنها ستنجح في حكم الجميع، وكأنه قدر المغاربة أن تحكمهم حكومة لا يختارونها بالفعل!

نسأل الله أن يهدي حكامنا ليتحلوا بالحكمة والتقوى، ويتخلوا عن حشر المغرب في مستنقع الأوحال، وتوسيع الهوة بين الحكام والمحكومين، وزرع بذور صهيون في أرض المغرب الحرة.

الرباط، في 20-09-2026

Exit mobile version