
بينما تنشغل دوائر سياسية وإعلامية في واشنطن بتقييم تداعيات العملية التي استهدفت الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، تتجه أنظار مراكز التفكير الاستراتيجي والعسكري في قوى دولية أخرى، وفي مقدمتها الصين، إلى استخلاص الدروس العملية من الحدث. تقرير حديث لوكالة بلومبيرغ أشار إلى تفاعل غير مسبوق على منصات التواصل الاجتماعي الصينية، تجاوز 440 مليون مشاهدة، لم يكن في معظمه بدافع المتابعة الإخبارية فقط، بل بهدف تحليل النموذج العملياتي والسياسي للعملية الأمريكية.
هذا التفاعل يسلّط الضوء على لحظة كاشفة في مسار النظام الدولي، حيث باتت بعض التحركات العسكرية تُقرأ خارج سياقها الإقليمي المباشر، وتُستثمر كنماذج قابلة للاستنساخ في نزاعات أخرى، وعلى رأسها ملف تايوان. وفي هذا السياق، تحاول هذه القراءة تفكيك المشهد الجيوسياسي لفهم كيف تحوّلت فنزويلا، في النقاش الصيني الداخلي، إلى حالة دراسية ذات دلالات استراتيجية أوسع.
أولاً: قراءة صينية لـ«النموذج الأمريكي» للعمليات الخاطفة
التفاعلات المتداولة على منصة «ويبو» الصينية لا تركز، في كثير من الحالات، على إدانة العملية الأمريكية بقدر ما تنصب على تحليل أسلوب تنفيذها. بعض التعليقات وصفت ما جرى بأنه «مخطط عملياتي متكامل» يمكن الاستفادة منه في سياقات أخرى، من بينها تايوان.
المنطق الذي يتكرر في هذه النقاشات يقوم على فكرة أن تنفيذ عملية عسكرية سريعة تستهدف القيادة السياسية داخل دولة ذات سيادة، ومن دون تفويض دولي واضح، يُضعف عملياً حجج “حرمة الحدود” وعدم التدخل، وهي مبادئ لطالما شكّلت أساس الخطاب الغربي في مواجهة بكين.
ثانياً: تآكل خطاب «النظام الدولي القائم على القواعد»
لسنوات، استندت السياسة الخارجية الأمريكية إلى خطاب يركز على احترام القانون الدولي وحماية النظام القائم على القواعد. غير أن منتقدين يرون أن العمليات العسكرية الأخيرة، خاصة تلك التي نُفذت خارج إطار تفويض أممي، تُضعف مصداقية هذا الخطاب.
في المقابل، تتابع كل من الصين وروسيا هذه التطورات باعتبارها دليلاً إضافياً على ما تصفانه بـ«ازدواجية المعايير». ومن منظور بكين، فإن التساهل الدولي مع استخدام القوة من قبل قوى كبرى يعزز فكرة أن النظام الدولي بات يسمح عملياً بـ«استثناءات للقوى العظمى»، وهو ما قد ينعكس على سلوكها في ملفات خلافية مثل بحر الصين الجنوبي وتايوان.
ثالثاً: إعادة حسابات الردع والاستجابة الدولية
تولي الصين أهمية خاصة لطبيعة رد الفعل الدولي على العملية الأمريكية في فنزويلا. فغياب إجراءات ردع واضحة، أو الاكتفاء بإدانات سياسية محدودة، يُقرأ في بكين باعتباره مؤشراً على محدودية قدرة المجتمع الدولي على فرض كلفة حقيقية على مثل هذه التحركات.
ويرى محللون أن هذا الواقع قد يؤثر في حسابات الردع الصينية، إذ يُضعف الحجة القائلة إن أي تحرك عسكري ضد تايوان سيقابل برد دولي صارم يستند إلى مبادئ السيادة وعدم استخدام القوة.
رابعاً: نحو تطبيع التدخلات المباشرة؟
التحول الأبرز الذي يثير القلق لدى عدد من المراقبين يتمثل في الانتقال التدريجي من أنماط الصراع غير المباشر إلى تدخلات عسكرية مباشرة تستهدف تغيير موازين السلطة داخل الدول.
إذا ما ترسّخ هذا النهج دون مساءلة دولية فعالة، فقد يتحول «تغيير الأنظمة بالقوة» من استثناء مثير للجدل إلى أداة سياسية تُستخدم متى توفرت القدرة العسكرية والغطاء السياسي، وهو سيناريو يحمل تداعيات عميقة على استقرار النظام الدولي.
خلاصة
من زاوية استراتيجية، قد تكون العملية الأمريكية في فنزويلا حققت مكاسب تكتيكية آنية، لكنها في المقابل فتحت نقاشاً أوسع حول تداعياتها بعيدة المدى على قواعد السلوك الدولي. فحين تُكسر الأعراف التي استند إليها النظام الدولي لعقود، تصبح القوى الأخرى أكثر ميلاً لاختبار حدود القوة، مستندة إلى سوابق قائمة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط ما إذا كانت هذه التطورات ستؤثر في حسابات الصين تجاه تايوان، بل أيضاً ما إذا كان الغرب لا يزال يمتلك سردية قانونية وأخلاقية متماسكة قادرة على ردع مثل هذه السيناريوهات، في عالم تتراجع فيه سلطة القواعد أمام منطق القوة





