‏ ‏برامجنا‏آخر المستجداتبقية العالم‏صوت المواطن

افتتاحية: وثائق إبستين.. حين تكشف الفضيحة تواطؤ السلطة والمال وصمت النخب

ـ يكتبها مدير النشر: مصطفى غلمان

أعاد نشر وتداول ما يُعرف بـ وثائق جيفري إبستين إلى واجهة النقاش العمومي أسئلة قديمة-جديدة حول طبيعة العلاقة بين النفوذ السياسي، الثروة الفاحشة، وشبكات الحماية غير المرئية داخل المجتمعات الليبرالية الحديثة. فبعيداً عن البعد الجنائي للقضية، تكشف هذه الوثائق عن بنية أعمق من الاختلالات التي تسمح بإفلات النخب من المحاسبة، وتُحوّل العدالة إلى آلية انتقائية.

الفضيحة كمرآة للاختلال البنيوي

سوسيولوجياً، لا يمكن قراءة قضية إبستين باعتبارها انحرافاً فردياً أو حالة معزولة، بل باعتبارها نتاجاً لبنية اجتماعية-سياسية تقوم على تركيز مفرط للسلطة الاقتصادية والرمزية في أيدي فاعلين محدودين. فحين تتقاطع الثروة مع النفوذ السياسي والعلاقات العابرة للمؤسسات، يصبح القانون قابلاً للتعليق، وتتحول الأخلاقيات العامة إلى خطاب موجّه للطبقات الدنيا فقط.

صمت المؤسسات وحدود المساءلة

تُظهر الوثائق، وما رافقها من إفادات وتسريبات، أن الخلل لا يكمن فقط في الأفعال المنسوبة، بل في صمت المؤسسات أو بطئها، وفي القدرة على تعطيل المسارات القضائية لسنوات. هذا الصمت لا يُفسَّر فقط بالخوف أو الإهمال، بل بمنطق الحماية المتبادلة داخل دوائر السلطة، حيث تُقدَّم “الاستقرار” و”المصلحة العليا” على مبدأ العدالة.

السياسة خارج السياسة

سياسياً، تفضح القضية ما يسميه علماء الاجتماع السياسي بـ “السلطة ما فوق-الدستورية”؛ أي تلك التي لا تُمارَس عبر صناديق الاقتراع أو المؤسسات المنتخبة، بل عبر شبكات العلاقات، التمويل، والضغط غير المعلن. في هذا السياق، لا تعود الديمقراطية سوى واجهة شكلية، بينما تُصاغ القرارات الحاسمة في فضاءات مغلقة لا تخضع للمساءلة الشعبية.

الإعلام بين الكشف والتوظيف

لعب الإعلام دوراً مزدوجاً في هذه القضية: فمن جهة، ساهمت التحقيقات الصحفية في كسر جدار الصمت وإعادة الملف إلى الرأي العام، ومن جهة أخرى، بدا واضحاً أن انتقائية التغطية وحدود ما يُكشف وما يُحجب تخضع بدورها لحسابات سياسية واقتصادية. وهو ما يطرح سؤال استقلالية الإعلام داخل منظومة رأسمالية تتحكم في مصادر تمويله ونفوذه.

أزمة ثقة عميقة

أخطر ما تكشفه وثائق إبستين ليس فقط حجم الانتهاكات، بل تآكل الثقة في المؤسسات، وفي فكرة العدالة ذاتها. فعندما يُدرك المواطن أن القانون يُطبَّق بصرامة على الضعفاء، ويُعلَّق أمام الأقوياء، تتراجع شرعية الدولة، ويُفتح الباب أمام الشعبوية، التطرف، أو اللامبالاة السياسية.

إن فضيحة وثائق إبستين ليست حدثاً عابراً في سجل الفضائح العالمية، بل علامة سوسيولوجية-سياسية على أزمة أعمق تعيشها المجتمعات الحديثة، حيث يتسع الفاصل بين الخطاب الأخلاقي والممارسة الفعلية للسلطة. وهي دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في آليات المحاسبة، استقلال القضاء، ودور المجتمع المدني والإعلام، حتى لا تتحول الديمقراطية إلى مجرد قناع، والعدالة إلى امتياز طبقي.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button