الأمم المتحدة تحذر: الأطفال يتحولون إلى الحلقة الأضعف في اقتصاد الانتباه والذكاء الاصطناعي

كش بريس/التحرير ـ

دقت الأمم المتحدة ناقوس الخطر بشأن تصاعد المخاطر التي تواجه الأطفال والشباب في البيئة الرقمية، محذرة من أن الفئات التي ما تزال هوياتها وعاداتها وعلاقاتها في طور التكوين أصبحت أكثر عرضة لتداعيات التضليل والتحرش والانحيازات الخوارزمية والاستعمالات الضارة للذكاء الاصطناعي.

وفي مذكرة إحاطة جديدة نشرتها المنظمة الأممية قبيل اليوم الدولي للشباب، رسمت الأمم المتحدة صورة لجيل شديد الارتباط بالإنترنت، لكنه في الوقت ذاته يوجد في قلب أزمة متنامية تتعلق بسلامة المعلومات. ودعت الدول وشركات التكنولوجيا والمعلنين ووسائل الإعلام والباحثين إلى الانتقال من التعامل مع حماية الأطفال باعتبارها قضية هامشية إلى جعلها أولوية في تصميم البيئة الرقمية وتنظيمها.

وتبرز الأرقام حجم التحول؛ إذ يستخدم أكثر من 80 في المائة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة حول العالم الإنترنت، فيما تسجل البلدان منخفضة الدخل مستويات استخدام تجعل الفجوة أقل مما قد توحي به التصورات التقليدية، مع ارتفاع نسبة الشباب المستخدمين للإنترنت فيها إلى نحو ضعف المعدلات المسجلة في باقي أنحاء العالم، وفق المذكرة.

لكن المشكلة، بحسب الأمم المتحدة، لا تختزل في حجم الوصول إلى الإنترنت، وإنما في طبيعة البيئة التي يدخل إليها الأطفال والشباب، وفي الآليات التي تتحكم في ما يرونه ويستهلكونه ويشاركون فيه.

من حماية المستخدم إلى استثمار انتباهه

وتلفت المذكرة إلى أن الأضرار التي تصيب الأطفال والشباب في الفضاء الرقمي ليست مجرد نتائج عرضية أو أحداث منفصلة، وإنما ترتبط، في جانب منها، بنماذج اقتصادية تقوم على تحويل الانتباه والبيانات الشخصية إلى مصدر للربح.

وتشير إلى أن كثيراً من المنصات والخدمات الرقمية تعتمد خيارات تصميم هدفها تعظيم التفاعل ومدة الاستخدام والإنفاق، بما في ذلك الخوارزميات التي تشجع على الاستمرار في التصفح، و«الأنماط المظلمة» التي تؤثر في قرارات المستخدمين، فضلاً عن آليات أخرى قد تدفع نحو الاستخدام القهري.

وترى الأمم المتحدة أن خطورة هذه الممارسات تتضاعف عندما يتعلق الأمر بالأطفال، لأنهم يدخلون هذه البيئات في مرحلة عمرية تتشكل فيها عاداتهم وهوياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية، ما يجعل تأثير التصميمات التلاعبية وآليات الاستهداف التجاري أكثر عمقاً واستدامة.

وتحذر المذكرة كذلك من تزايد الأساليب الإعلانية الخفية التي تستهدف الأطفال وتحفزهم على الإنفاق، معتبرة أن اجتماع هذه الممارسات يساهم في تطبيع المراقبة التجارية واسعة النطاق والتصميمات الرقمية التي تستثمر قابلية الأطفال والشباب للتأثر.

الذكاء الاصطناعي يسبق قواعد الحماية

ويضيف الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة إلى هذه المخاطر، في ظل سرعة تطور تقنياته مقارنة بوتيرة بناء الأطر القادرة على تنظيمها والحد من آثارها.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن المخاطر تمتد من المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي إلى أشكال الاستغلال التي أصبحت هذه التقنيات تيسرها، وهو ما يجعل حماية الأطفال أكثر إلحاحاً في ظل انتشار أدوات قادرة على إنتاج محتويات شديدة الإقناع وتوسيع نطاق الاستهداف والتلاعب.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قد دعا الشهر الماضي إلى إطلاق تعهد بشأن سلامة الأطفال في مجال الذكاء الاصطناعي، محذراً من التعامل مع التقنيات الناشئة كما لو كانت مجالات مكتملة الاختبار.

وخلال أول حوار عالمي بشأن حكامة الذكاء الاصطناعي، شدد غوتيريش على أن الأطفال لا ينبغي أن يتحولوا إلى مجال لتجريب تقنيات غير خاضعة للتنظيم، مؤكداً أن المسؤولية عن الأضرار لا يمكن اختزالها في إلقاء اللوم على «الخوارزمية».

التضليل ليس الخطر الوحيد

وتضع الأمم المتحدة أزمة المعلومات في إطار أوسع من مجرد انتشار الأخبار الكاذبة؛ إذ تشمل المخاطر التي يتعرض لها الشباب التضليل، والتحرش، والانحيازات الخوارزمية، فضلاً عن المحتوى الذي ينتج أو ينتشر باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

وترى المنظمة أن هذا الواقع يفرض إعادة التفكير في مفهوم السلامة الرقمية نفسه، بحيث لا تقتصر الحماية على منع المحتوى الضار، وإنما تشمل أيضاً مساءلة النماذج التجارية وخيارات التصميم التي تحدد كيفية تعرض الأطفال للمحتوى والإعلانات والتفاعل الرقمي.

وفي هذا السياق، تدعو الأمم المتحدة إلى إشراك الشباب أنفسهم في البحث وصياغة السياسات المتعلقة بسلامة المعلومات، معتبرة أن الحديث عنهم باعتبارهم مجرد فئة تحتاج إلى الحماية يغفل جانباً أساسياً من المعادلة: قدرتهم على المساهمة في إنتاج الحلول.

وقالت شارلوت سكادان، كبيرة مستشاري الأمم المتحدة لشؤون سلامة المعلومات، إن الأطفال والشباب يوجدون بين أكثر الفئات تأثراً بأزمة المعلومات الراهنة، لكنهم في الوقت ذاته من أكثر الفئات قدرة على الإسهام في مواجهتها، مؤكدة أن حمايتهم وإشراكهم «ليسَا هدفين متعارضين».

وتخلص المقاربة الأممية إلى أن حماية الطفولة في العصر الرقمي لم تعد شأناً تقنياً محضاً، وإنما أصبحت سؤالاً يتعلق بالحقوق والتنظيم والاقتصاد الرقمي نفسه: من يملك حق تشكيل البيئة التي ينشأ فيها الأطفال، ومن يتحمل مسؤولية نتائج الخوارزميات حين يصبح انتباه الطفل وبياناته مادة للربح؟

Exit mobile version