كش بريس/التحرير ـ في مشهد اقتصادي يتسم بتعقيداته البنيوية، يبرز الاقتصاد المغربي خلال سنة 2025 كحالة انتعاش مشروط، حيث تتقاطع مؤشرات التحسن الكلي مع استمرار أعطاب عميقة في البنية الاجتماعية، وعلى رأسها سوق الشغل. فبينما تعكس الأرقام دينامية واضحة في الاستثمار والنمو، يظل الأثر الاجتماعي لهذا التحسن محدوداً، مما يطرح سؤال جدوى النمو في غياب إدماج اقتصادي واسع.
انتعاش مدفوع بالاستثمار والفلاحة
سجل الاقتصاد المغربي نمواً لافتاً بلغ 4,7% خلال سنة 2025، مدعوماً بارتفاع قوي في الاستثمار الثابت بنسبة 16,8%، خاصة في مجالات البناء والبنية التحتية. كما ساهم تحسن التساقطات في إنعاش القطاع الفلاحي الذي حقق نمواً بنسبة 3,7%، في مؤشر على استمرار حساسية الاقتصاد الوطني للعوامل المناخية.
أداء إيجابي للقطاعات غير الفلاحية واستقرار الأسعار
حافظت الأنشطة غير الفلاحية على وتيرتها التصاعدية، محققة نمواً في حدود 4,8%، مدفوعة بانتعاش قطاعات السياحة والتعدين والبناء. في المقابل، شهدت معدلات التضخم تراجعاً إلى 0,8%، ما أتاح استقرار السياسة النقدية والإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند 2,25%، في سياق من التحكم النسبي في الضغوط السعرية.
سوق الشغل: الحلقة الأضعف في معادلة النمو
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، يظل سوق الشغل يعاني من اختلالات هيكلية عميقة. فقد استقر معدل البطالة عند 13%، مع ضعف واضح في نسبة المشاركة التي لم تتجاوز 43,5%. وتبرز الهشاشة بشكل أكبر في صفوف النساء، حيث لا تتعدى مشاركتهن 19%، ما يعكس فجوة بنيوية في الإدماج الاقتصادي.
تحولات هشة بين الحضر والقرى
أحدث الاقتصاد حوالي 203 آلاف منصب شغل في الوسط الحضري، مقابل فقدان نحو 10 آلاف منصب في العالم القروي، نتيجة تأثيرات التغيرات المناخية على النشاط الفلاحي. هذا التحول يعكس انتقالاً غير مكتمل لليد العاملة، حيث لا يواكبه اندماج فعلي في قطاعات إنتاجية بديلة.
الشباب بين معضلة التكوين ومتطلبات السوق
لا يزال جزء كبير من الشباب يواجه صعوبات في الولوج إلى سوق الشغل، بسبب فجوة واضحة بين مخرجات التكوين واحتياجات الاقتصاد. وهو ما دفع إلى اعتماد سياسات تستهدف دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتعزيز التكوين المهني وربطه بشكل أوثق بمتطلبات القطاع الخاص.
تراجع نسبي للفقر في ظل تحسن المؤشرات الكلية
سجلت معدلات الفقر تحسناً تدريجياً، حيث انخفضت نسبة الفقر عند عتبة 3 دولارات يومياً إلى 2,1% سنة 2025، مع توقعات بمواصلة التراجع لتبلغ 1,4% بحلول 2028، مدفوعة بتحسن النمو واستقرار الأسعار.
تحسن مالي مع ضغوط متزايدة
شهدت المالية العمومية تحسناً نسبياً، حيث تقلص عجز الميزانية إلى 3,6% من الناتج الداخلي الخام، مدعوماً بارتفاع الإيرادات الضريبية. غير أن هذا التحسن يظل هشاً أمام تصاعد النفقات المرتبطة بالاستثمار، والأجور، وبرامج الحماية الاجتماعية، إضافة إلى الالتزامات المحتملة للشراكات بين القطاعين العام والخاص.
اختلالات تجارية وتوازنات مدعومة بالتحويلات
اتسع العجز التجاري بنسبة 15,8% نتيجة ارتفاع الواردات، مقابل نمو محدود للصادرات. ومع ذلك، ساهمت عائدات السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج في الحد من تفاقم العجز، حيث استقر عجز الحساب الجاري عند 2,1%، مع تحسن الاستثمارات الأجنبية واحتياطات مريحة من العملة الصعبة.
آفاق نمو إيجابية في سياق دولي مضطرب
من المتوقع أن يسجل الاقتصاد نمواً في حدود 4,2% خلال سنة 2026، مدفوعاً بانتعاش قوي للقطاع الفلاحي، مقابل تباطؤ نسبي في الأنشطة غير الفلاحية. كما يرتقب تسجيل بعض الضغوط على التوازنات الخارجية والمالية، في ظل ارتفاع الواردات وتكاليف الإنتاج.
مخاطر متعددة تحيط بالمسار الاقتصادي
تظل آفاق الاقتصاد المغربي رهينة بعدة عوامل، من بينها التقلبات المناخية، وارتفاع أسعار النفط، والتوترات الجيوسياسية، إضافة إلى تباطؤ النمو في أوروبا. كما تبرز مخاطر داخلية مرتبطة بالمالية العمومية والاعتماد على موارد غير متكررة.
رهان الإصلاحات الهيكلية لتحقيق نمو شامل
يخلص التقرير إلى أن استدامة النمو الاقتصادي تظل رهينة بتسريع الإصلاحات الهيكلية، خاصة عبر تعزيز دور القطاع الخاص، وتحسين إنتاجية المقاولات، وخلق فرص شغل كافية. كما يظل تقليص الفوارق المجالية وتوسيع الحماية الاجتماعية شرطاً أساسياً لتحقيق تنمية أكثر إنصافاً.
لم يعد النمو الاقتصادي، في السياق المغربي، مجرد مؤشر كمي يقاس بالنسب المئوية، بل أضحى سؤالاً نوعياً يتعلق بمدى قدرته على إعادة توزيع الفرص وتقليص الهشاشة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تحقيق النمو فحسب، بل في تحويله إلى قوة إدماج اجتماعي تضمن الكرامة الاقتصادية وتؤسس لأفق تنموي أكثر توازناً واستدامة.

أحـمـد الـشـهـاوي: بالبرهان لا بالصولجان .. وبالعقل لا بالقتل
تقرير: دقة نماذج الذكاء الاصطناعي في البرمجة لا تتجاوز 75%
المندوبية السامية للتخطيط: الأسرة النووية تمثل 73% من الأسر